بينما تتقدم الجزائر ونيجيريا والنيجر نحو تحديد الهيكل التمويلي لأنبوب الغاز العابر للصحراء، بكلفة تقديرية تتراوح بين 10 و13 مليار دولار، لا يزال مشروع الأنبوب الأطلسي الذي تراهن عليه الرباط يبحث عن المستثمرين لتغطية فاتورة تصل إلى 26 مليار دولار.

ويكشف هذا التباين، الذي برز في تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية النيجيرية «NNPC»، بشير بايو أوجولاري، عن اختلاف جوهري بين مشروع دخل مرحلة تنفيذ الأشغال في الجزائر ويتطلع شركاؤه إلى اتضاح مسار القرار الاستثماري النهائي خلال 2027، وآخر لم يحصل بعد على التزامات تمويل نهائية رغم سنوات من الترويج السياسي والدبلوماسي.

ففي تصريحات أوردتها منصة «زاوية» الاقتصادية، على هامش مؤتمر «أديبك» بأبوظبي، أكد أوجولاري توافق الجزائر ونيجيريا والنيجر على تطوير الهيكل التمويلي لأنبوب الغاز العابر للصحراء، مع توقع امتلاك رؤية أوضح بشأن القرار الاستثماري النهائي خلال العام المقبل.

وفي المقابل، كشف أن الشركة النيجيرية لا تزال تستقطب المستثمرين لمشروع الأنبوب النيجيري المغربي، بما في ذلك إجراء اتصالات مع شركاء دوليين محتملين، دون الإعلان عن إغلاق تمويله أو اعتماد قرار استثماري نهائي.

26 مليار دولار بلا تمويل

وهنا تتضح المفارقة التي تواجه الطموحات المخزنية؛ فالمشروع الأطلسي، الذي تقدمه الرباط بوصفه ممرًا استراتيجيًا للغاز الإفريقي نحو أوروبا، يحتاج إلى استثمارات تقارب ضعف الكلفة المقدرة للمسار العابر للجزائر. كما يمتد على نحو 6800 كيلومتر، منها قرابة 5100 كيلومتر في البحر، مقابل نحو 4200 إلى 4300 كيلومتر للممر الصحراوي، الذي يستفيد من أجزاء مهمة من شبكة نقل الغاز الجزائرية القائمة.

وتتحول هذه الفوارق من مجرد أرقام هندسية إلى عوامل اقتصادية مؤثرة في قرارات المستثمرين، لأن طول المسار البحري وتعدد نقاط الربط والدول المشاركة يرفعان متطلبات التنسيق والإنجاز والتمويل، فضلًا عن الحاجة إلى ضمان تدفقات غاز كافية وعقود شراء طويلة الأمد لتغطية النفقات وتحقيق العائد الاستثماري.

فاتورة ضخمة وعائد مجهول

وتزداد صعوبة تسويق المشروع الأطلسي عندما تنتقل المقارنة إلى حجم الغاز الذي يمكن أن يصل فعلًا إلى أوروبا. فرغم أن طاقته التصميمية المعلنة تبلغ 30 مليار متر مكعب سنويًا، فإن البيانات المشتركة الصادرة عن الطرفين المغربي والنيجيري تخصص نحو 15 مليار متر مكعب للأسواق المغربية والأوروبية مجتمعة، فيما تستهدف بقية الكميات تلبية احتياجات الدول المرتبطة بالممر.

وبالتالي، فإن الحديث عن نقل 30 مليار متر مكعب إلى أوروبا لا يعكس التوزيع المعلن للمشروع، كما أن الحصة الأوروبية النهائية لم تُحدد بصورة منفصلة. وهذا التفصيل يضع الخطاب المخزني أمام سؤال اقتصادي لا تجيب عنه الشعارات: كم سيبلغ حجم الغاز المتبقي للتصدير نحو أوروبا بعد تلبية الطلب على طول المسار؟ والأهم، هل تكفي الإيرادات المتوقعة من تلك الكميات لتبرير استثمار تتراوح كلفته بين 25 و26 مليار دولار، مع تحمل نفقات التشغيل والصيانة والضغط والعبور؟

اعترافات مغربية بعقدة التمويل

واللافت أن الاعتراف الأوضح بعقدة التمويل لم يصدر عن جهة جزائرية، بل عن مسؤولة مغربية تتولى إدارة المشروع. ففي أبريل 2026، أقرت أمينة بنخضرة، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، في تصريحات نقلتها وكالة رويترز، بعدم تأمين التزامات تمويل نهائية لإنجاز الأنبوب، موضحة أن الشركة المكلفة بالمشروع ستعمل على تعبئة رؤوس الأموال والقروض، وأن كل مقطع سيُطور بصورة مستقلة.

ويعني هذا التصريح أن الرباط، رغم مرور نحو عشر سنوات على الإعلان عن المبادرة المغربية النيجيرية سنة 2016، لم تكن قد أغلقت الملف المالي اللازم للإنجاز. والأكثر دلالة أن بنخضرة وضعت سنة 2031 أفقًا لبدء تدفق الغاز من المراحل الأولى، وليس موعدًا لاكتمال الربط بين نيجيريا والمغرب ووصول الغاز النيجيري إلى أوروبا.

أما وزيرة الانتقال الطاقي المغربية، ليلى بنعلي، فقد أقرت في تصريحات سابقة بأن تكلفة المشروع تتجاوز 25 مليار دولار، مؤكدة أن إنجازه سيكون على مراحل.

وفي مايو 2025، تحدثت أمام البرلمان المغربي عن استكمال دراسات الجدوى والتصميم الأولي والتحضير للقرار الاستثماري النهائي. غير أن مرور الوقت لم يحوّل تلك التحضيرات إلى تمويل نهائي معلن للإنجاز.

وفي سبتمبر 2026، كشفت مجلة «تيل كيل» المغربية أن التمويل ما زال أكبر تحدٍّ غير محسوم، ونقلت عن بنخضرة أن الكلفة الرسمية المعتمدة تبلغ 25 مليار دولار، مع السعي إلى خفضها إلى نحو 20 مليارًا.

ويعكس البحث عن تقليص الفاتورة حجم الضغط المالي الذي يواجه المشروع قبل الانتقال إلى البناء الشامل. واشنطن دون التزام مالي وحتى التحركات المغربية باتجاه المؤسسات الأمريكية لا تزال، وفق المعطيات المنشورة، في نطاق المباحثات الأولية. فقد أفادت «بلومبرغ»، في يوليو 2026، بأن الرباط تسعى إلى استقطاب بنك التصدير والاستيراد الأمريكي والبنك الدولي للمساهمة في تمويل المشروع، فيما أكد متحدث باسم البنك الأمريكي وجود اتصالات أولية، دون إعلان التزام تمويلي.

وبذلك، فإن ما يمكن إثباته ليس انسحاب الشركات الأمريكية أو رفض واشنطن تمويل المشروع، بل استمرار البحث عن تمويل لم يتحول إلى التزامات نهائية معلنة. كما أن ورود أسماء شركات أمريكية كبرى، مثل «إكسون موبيل»، في تصريحات المسؤولين النيجيريين يتعلق بمصالحها في إنتاج الغاز النيجيري، ولا يشكل دليلًا على موافقتها على تمويل الأنبوب الأطلسي.

وتكشف هذه المعطيات الفارق بين اهتمام المستثمرين وإغلاق التمويل؛ فالمباحثات مع المؤسسات المالية، مهما بلغت أهميتها، لا تعادل قرارًا بصرف مليارات الدولارات، مثلما لا تمثل الاتفاقات الحكومية ضمانة تلقائية للجدوى التجارية.

الأفضلية الاقتصادية للجزائر

وفي المقابل، تستند الجزائر إلى مزايا اقتصادية ملموسة في مشروع الأنبوب العابر للصحراء، أبرزها امتلاك شبكة واسعة لنقل الغاز ومنشآت لمعالجته وتصديره، فضلًا عن الخبرة التشغيلية لسوناطراك ومؤسساتها التابعة.

ويمتد المقطع الجديد المخطط له داخل الجزائر على نحو 1210 كيلومترات، انطلاقًا من الحدود مع النيجر باتجاه أولف بولاية أدرار، حيث يُربط بشبكة نقل الغاز المتصلة بحاسي الرمل.

كما أن الاستفادة من أجزاء قائمة من البنية التحتية تسمح بتقليص حجم المنشآت الجديدة المطلوب إنجازها، مقارنة بمشروع يعتمد بدرجة كبيرة على إنشاء مسار بحري طويل. وقد سجل المشروع الجزائري محطة تنفيذية في يونيو 2026، مع اعتماد دراسة الجدوى المحينة وإطلاق أشغال الشطر الجزائري، قبل أن تأتي تصريحات رئيس «NNPC» في نوفمبر لتكشف توافق الشركاء الثلاثة على تطوير هيكل التمويل واستهداف رؤية أوضح بشأن القرار الاستثماري خلال 2027.

وتتجاوز المكاسب الجزائرية المحتملة رسوم عبور الغاز، لتشمل الاستفادة من قدرات النقل والمعالجة والتصدير، وتوسيع نشاط المؤسسات الوطنية في الهندسة والإنجاز والخدمات الطاقوية.

كما يفتح اقتراح إسناد الدراسات والأشغال المتعلقة بالمقطع النيجري إلى شركة «إيناك» التابعة لسوناطراك مجالًا إضافيًا لتصدير الخبرة الصناعية الجزائرية نحو الأسواق الإفريقية، إذا تُرجم إلى عقود تنفيذية.

مروة. ل