زكرياء حبيبي

كشفت وثائق مسربة حصل عليها موقع "دروب سيت نيوز" الأمريكي، الذي يُديره الصحفيين الاستقصائيين البارزين جيريمي سكاهيل، رايان غريم، وناوسيكا رينر، أن شركة استخبارات خاصة تعمل لصالح الإمارات العربية المتحدة كلفت باحثا أمريكيا بإعداد تقرير عن المنظمات الإسلامية الأمريكية في إطار حملة لتشويه سمعتها من خلال اتهامها بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين.

وتوصلت المهمة الموكلة إلى شركة "ألب سيرفيس" التي تتخذ من جنيف مقرا لها، في عام 2018، بتقريرٍ كتبه لورينزو فيدينو، مؤلف العديد من الكتب عن جماعة الإخوان المسلمين ومدير برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن. ويُفصِّل هذا التقرير، إلى جانب وثائق أخرى محفوظة في الأرشيف، حملة مُخطَّطة ضد المنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة، ويبدو أن بعض جوانبها لا تزال جارية.

تُظهر هذه الصورة، التي التُقطت في 19 أبريل 2024 في لوزان، شعار شركة الاستخبارات الخاصة

ويحمل تقرير "فيدينو" عنوان "جماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة"، ويسرد أسماء عشرات المسلمين الأمريكيين وجماعات المجتمع المدني التي يقول إنها جزء من شبكة متطرفة سرية واسعة النطاق في الولايات المتحدة، بما في ذلك مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (ISNA)، ومجلس الشؤون العامة الإسلامية (MPAC)، والجمعية الإسلامية الأمريكية (MAS)، والمجلس الأمريكي للمنظمات الإسلامية، ومنظمة الإغاثة الإسلامية في الولايات المتحدة الخيرية، والعديد من المنظمات والمساجد والناشطين والقادة الدينيين الآخرين الذين تم ذكرهم على وجه التحديد.

إلا أن تحقيق موقع " دروب سيت نيوز"، أكد أن هذا التقرير لا يُقدّم أي دليل يُدعّم مزاعم فيدينو. ومع ذلك، فقد أنشأ فعليا قائمة سوداء تضم منظمات وأفرادا مسلمين أمريكيين، يمكن استخدامها لتشويه سمعتهم من خلال اتهامهم بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، وذلك في إطار جهود تبذلها الإمارات.

لورينزو فيدينو

وحسب موقع "دروب سيت نيوز" لم يرد لورينزو فيدينو وشركة "ألب سيرفيس" لطلبات التعليق بخصوص القضية. كما لم ترد وزارة الخارجية الإماراتية للاستفسارات، كذلك.

وتتواصل الجهود الرامية إلى ربط الجماعات الإسلامية الأمريكية بجماعة الإخوان المسلمين منذ نشر تقرير فيدينو لصالح مؤسسة ألب سيرفيس. وفي 5 أغسطس 2026، عقدت لجنة فرعية تابعة للجنة القضائية في مجلس الشيوخ جلسة استماع بعنوان "مُخفى على مرأى من الجميع: مواجهة شبكة الإخوان المسلمين في أمريكا". وكانت "لارا بيرنز"، الباحثة الرئيسية في برنامج "فيدينو" المعني بالتطرف، من بين الشهود الثلاثة. وقد وصفت كل من مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (ISNA)، والصندوق الإسلامي لأمريكا الشمالية، ورابطة الطلاب المسلمين بأنها مكونات لبنية تحتية سرية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين وحماس، مع الاستشهاد ببعض أعمال "فيدينو" المنشورة في بعض فقرات شهادتها المكتوبة.

وتوصل التحقيق، بعد الكشف عن وثائق موجودة في الأرشيف، والتي قدمها اتحاد الصحفيين الأوروبيين للتعاون الاستقصائي، كيف أن الإمارات قامت ولا تزال بتدبير حملات تشويه سرية، تطال كيانات وأفراد بالافتراء والزور والبهتان.

وتابع التحقيق، أن مذكرة داخلية صادرة عن شركة "ألب"، اقترحت في يوليو 2017، بمساعدة فيدينو، رسم خريطة لشبكات النفوذ المزعومة لجماعة الإخوان المسلمين وقطر في الولايات المتحدة وأوروبا. وكان الهدف من هذه الخريطة تحديد المؤسسات الخيرية، وجماعات الضغط، ووسائل الإعلام، والأكاديميين، والداعمين السياسيين، والبنوك، والمستثمرين، ورجال الأعمال. كما كانت شركة ألب تدرس إجراء المزيد من التحقيقات للكشف عما أسمته "المؤشرات الحمراء"، أي المعلومات الشخصية أو المهنية السلبية والشائعات المتعلقة بأهداف محددة.

وفي فبراير 2018، حصلت شركة Alp على ترخيص لإطلاق عملية تسمى "Arnica 6" تهدف إلى تحويل بعض التحقيقات إلى حملات ضغط سرية، سواء على السمعة أو على الصعيد المالي. وتضمنت خطة العمل نشرات إعلامية معادية، ونقل إحاطات مجهولة المصدر إلى صحفيين موثوق بهم، وتعديل مقالات ويكيبيديا السلبية المتعلقة بالأهداف، وتقديم معلومات تشهيرية إلى قواعد بيانات الامتثال التنظيمي، وممارسة الضغط السياسي بشكل سري.

وسبق أن كشفت مجلة "نيويوركر" عن بعض تفاصيل أنشطة شركة ألب الأوروبية لصالح الإمارات العربية المتحدة، والتي كشفت عن استهدافها لتاجر مواد أولية يُدعى حازم ندى، بالإضافة إلى منظمات إسلامية في أوروبا. وقد أدى اتهام ندى بالارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، والذي نشرته شركة ألب للخدمات عبر مقالات مجهولة المصدر على الإنترنت ومقالات ويكيبيديا، إلى تدمير أعماله وسمعته.

وأشارت مجلة "نيويوركر" إلى أن ماريو بريرو، مدير شركة "ألب سيرفيس"، التي كان زبونها الرئيسي في المشروع معهدا بحثيا إماراتيا تابع لرئيس الإمارات محمد بن زايد، قد طلب من فيدينو العثور على "عناصر/شائعات مثيرة للاهتمام" من الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، لكنه لم يُقدم أي تفاصيل عن جهود التتبع التي تم نشرها لتحديد أو استهداف الأمريكيين أو المنظمات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها.

وفي 12 مايو 2018، أرسل فيدينو إلى ألب، عبر تطبيق واتساب، سلسلة من الوثائق بما في ذلك تقريره عن جماعة الإخوان المسلمين في أمريكا ومذكرات عن المنظمات الإسلامية في شيكاغو والجماعات المرتبطة بالحكومة التركية. ولم يقدم فيدينو أي دليل على أن الأفراد أو المنظمات المذكورة تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين أو أي منظمة عابرة للحدود أخرى، لكنه ادعى أنهم كانوا "فروعا" للحركة ويمثلون "مراكز ثقلها" في الولايات المتحدة.

وفي يوليو 2018، قامت شركة "ألب" بتحويل وثائق فيدينو إلى تقرير نهائي لزبونها، وهي شركة إماراتية تُدعى "أرياف للدراسات والبحوث". كما أعدّت "ألب" وثيقة إحاطة منفصلة لاجتماع عُقد في 8 أغسطس مع مطر حميد النيادي، وهو مسؤول إماراتي ورد ذكره في سجلات أخرى كمُحاور في مشروع أرنيكا، ويشغل حاليا منصب سفير دولة الإمارات لدى الكويت. وأشار تحقيق "دوب سيت نيوز" أن الأخير لم يرد على طلب التعليق.

مع العلم أنه تم رفع قضية ضد شركة أرياف للدراسات والبحوث في الولايات المتحدة أمام محكمة المقاطعة الفيدرالية في مقاطعة كولومبيا، وعنوان الدعوى حازم ندا ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، رقم القضية 1:24-cv-00206.

وقبل انضمامه إلى برنامج جامعة جورج واشنطن، عمل فيدينو في مشروع التحقيق في الإرهاب، وهي منظمة بحثية أسسها ستيف إيمرسون، وهو "خبير إرهاب" مثير للجدل، اتُهم بالتجسس على منظمات إسلامية أمريكية، وادعى زورا أن مدنا أوروبية كبرى أصبحت "مناطق محظورة" تحت سيطرة المهاجرين المسلمين. ولا يزال فيدينو يتمتع بنفوذ كبير كمعلق خبير في الولايات المتحدة.

وفي مقال رأي نُشر مطلع أغسطس في صحيفة وول ستريت جورنال، زعم فيدينو أن على إدارة ترامب استهداف جماعات وصفها بـ"غير العنيفة"، مدعيا أنها ناشطة بالفعل في السياسة والتعليم والحركات المدنية، وأن جهات إسلامية متطرفة تموّل مرشحين متحالفين معه سياسيا في الانتخابات الأمريكية في مختلف أنحاء البلاد. ولم يُقدم المقال أي دليل يدعم هذه الادعاءات، كما لم يوضح تعريفه لـ"الجهات الإسلامية المتطرفة".

وذكر التحقيق، قصة فريد حفيز، الأكاديمي النمساوي المقيم حاليا في الولايات المتحدة، الذي كان من بين الأهداف السابقة لشركتي فيدينو وألب سيرفيس في أوروبا. فبعد أن نشرت شركة ألب شائعات حول صلاته بجماعة الإخوان المسلمين، والتي تم إبلاغ أجهزة المخابرات النمساوية بها، داهمت الشرطة النمساوية منزل حفيز في نوفمبر 2020. وقد بُرِّئ لاحقا من جميع التهم، وحكمت المحاكم النمساوية بعدم قانونية المداهمات نفسها.

وفي هذا الشأن، قال حفيز: "لم يذكر فيدينو أي شيء محدد، كأن يُصرّح مثلا ما إذا كان شخص ما عضوا في جماعة الإخوان المسلمين. بل يُفضّل التلميح إلى أن لهؤلاء الأشخاص صلات بآخرين، تربطهم بدورهم صلات بالجماعة". وأضاف أن تقارير فيدينو اعتمدت في المقام الأول على مصادر ثانوية. "لم تكن هناك أي أدلة قاطعة لإدانتي في المحكمة، لأن اتهاماته ظلت غامضة ومبهمة. كانت هذه هي استراتيجيته برمتها".

كما نفى عديد النشطاء المسلمون الأمريكيون اتهامات فيدينو، واصفين إياها بأنها هجمات سياسية تهدف إلى استبعادهم من الحياة السياسية.

وخلص التحقيق، إلى أن حملات التشويه هذه، التي قادتها الإمارات ولا تزال، تتلقى الدعم من المنظمات المؤيدة للكيان الصهيوني. وفي هذا السياق، قال أسامة أبو إرشيد، المدير الوطني لمنظمة "مسلمون أمريكيون من أجل فلسطين"، والذي ورد اسمه، إلى جانب منظمته، في وثائق فيدينو وألب: "الوضع مؤسف: تلعب الإمارات العربية المتحدة الآن دورا مزعزعا للاستقرار، لا سيما فيما يتعلق بالجاليات العربية والإسلامية في الغرب.

وأضاف إرشيد: "لا شيء يبرر مزاعمهم. نحن منظمات أمريكية، ومواطنون أمريكيون، ولنا الحق في التجمع والتنظيم السياسي. كل ما نقوم به علنيّ، ولا توجد أسرار. إنهم يريدون تشويه سمعتنا وعرقلة أجندتنا، لكن اتهامنا بأننا جزء من مؤامرة واسعة النطاق هو محض كذب صريح".