زكرياء حبيبي

بعد فوز منتخب لاروخا أمس الأحد في نهائي كأس العالم، والذي كان حاضرا فيه، حلّ بيدرو سانشيز بالجزائر اليوم الاثنين 20 يوليو، على أمل مواصلة هذه النشوة وإبرام شراكة جديدة بعد أربع سنوات من الخلاف عقب انحيازه إلى الموقف المغربي بشأن قضية الصحراء الغربية.

تُعدّ هذه الزيارة بالغة الأهمية للعلاقات التجارية الإسبانية مع الجزائر، الشريك الرئيسي في المنطقة، كما أنها تحمل ثقلا سياسيا كبيرا. ويعتزم رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، خلال زيارته للجزائر، تعزيز العلاقات مع الجزائر.

وإذا كان الغاز سيكون محورا رئيسيا للمباحثات، فمن المتوقع أيضا أن تحظى القضايا السياسية والاقتصادية والإقليمية باهتمام كبير.

وترمز هذه الزيارة إلى نهاية الأزمة الدبلوماسية الناجمة عن الدعم الذي قدمته الحكومة الإسبانية للاحتلال المغربي للصحراء الغربية. وقد تم الإعلان عن إعادة الدفء للعلاقات خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الدبلوماسية الإسبانية خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر في شهر مارس الماضي.

وبهذه المناسبة، سلط ألبارس الضوء على "الحالة الجديدة" للعلاقات الودية بين بلدينا. اليوم، يعزز السياق الجيوسياسي العالمي تحسين العلاقات هذه. وتعتبر الحكومة الإسبانية أن موقفها من الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة يتماشى تماما مع موقف الجزائر، المدافع الشرس عن القضية الفلسطينية.

علاوة على ذلك، فإن الجزائر، وبموقعها الجيواستراتيجي جنوب البحر الأبيض المتوسط، تُبدي اهتماما متزايدا بأوروبا.

إلى جانب زيارة ألباريس، شكّل معرض الجزائر الدولي الأخير، الذي كانت إسبانيا ضيف شرفه، مؤشرا هاما آخر على هذا التقارب. وتُشير هذه البادرة بوضوح إلى مجالات التنمية التي يرغب الطرفان في إعطائها الأولوية في علاقاتهما.

وأوضح جمال الدين بوعبد الله، رئيس الغرفة التجارية والصناعية الإسبانية الجزائرية، في مقابلة مع صحيفة "إل إنديبندينتي" الإسبانية، أن "الهدف من هذه الزيارة هو فتح صفحة جديدة وخلق ديناميكية جديدة في العلاقات بين الجزائر وإسبانيا". ويرى أن الوقت قد حان "لبدء حوار والمضي قدما معا" من أجل إنعاش العلاقات بشكل جذري.

وتشير كل الدلائل إلى أن هذه المرحلة الجديدة من العلاقات الثنائية ستُبنى على أسس اقتصادية متينة. والهدف هو تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين إسبانيا والجزائر. وبما أن الجزائر هي المورد الرئيسي للغاز لإسبانيا، فإن قضايا الطاقة ستكون محورا أساسيا في المناقشات. فإلى جانب سانشيز ووزرائه، سيتوجه رؤساء شركات ناتورجي، وريبسول، ومويف، وإيناجاس إلى الجزائر.

وبغض النظر عن أي اتفاق سياسي قد يتوصل إليه الطرفان، سيتفاوض ممثلو الشركات مع شركة سوناطراك (شركة الغاز الوطنية الجزائرية) بشأن الشروط الفنية والتجارية المتعلقة بكميات الغاز وأسعاره وجداول تسليمه.

وفي ما يخص قطاع الطاقة، تسعى مدريد إلى تأمين إمداداتها من الغاز الجزائري في ظلّ حالة عدم اليقين الجيوسياسي وانخفاض واردات الغاز الروسي. ووفقا لوسائل الإعلام الإسبانية، تأمل الحكومة في تحقيق زيادة بنسبة 10% في إمدادات الغاز ومضاعفة كميات الغاز الطبيعي المسال.

لكن الإسبان ليسوا الوحيدين المهتمين بالتبادلات الغازية. فبالنسبة للجزائر، تُعد إسبانيا ثاني أكبر مستورد للغاز في أوروبا بعد إيطاليا. ويمر معظم الغاز الجزائري المُصدّر إلى إسبانيا عبر خط أنابيب "مدغاز"، الذي تُشغّله الجزائر ومدريد بشكل مشترك. وتعتزم الحكومة الإسبانية زيادة حجم الغاز المتدفق عبر هذا الخط بنسبة تصل إلى 10%.

كما تعتزم زيادة إمدادات الجزائر من الغاز الطبيعي المسال. وعلى الرغم من الأهمية البالغة للغاز في العلاقات الثنائية، فإن هذه الزيارة تهدف إلى تحقيق أهداف أوسع. إذ ترغب الجزائر في تنويع تجارتها مع إسبانيا لتشمل مجالات أخرى غير الغاز.

وتسعى السلطات الجزائرية جاهدة لتنفيذ استراتيجية تنويع اقتصادي يمكن لإسبانيا أن تساهم فيها، لا سيما من خلال الاستثمار.

وفي هذا الصدد، قد تركز المباحثات أيضا على تطوير التبادلات الاقتصادية، مع التركيز على الفرص المتاحة في مجالات البنية التحتية، والموارد المائية، والصناعات الغذائية الزراعية، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، في إطار سعي الجزائر لتحقيق استراتيجية التنويع الاقتصادي.

وقد تُمهد هذه الزيارة الطريق أخيرا لعقد اجتماع ثنائي رفيع المستوى بين البلدين قبل نهاية العام، وهو الأول من نوعه منذ عام 2018.

ومحور تنمية آخر سيعزز حضور الشركات الإسبانية في الجزائر، بهدف تمكينها من المنافسة على المناقصات والعقود الكبرى التي ستطرحها الحكومة الجزائرية لتطوير بنيتها التحتية. وتشمل القطاعات الأكثر استفادة من هذا الاستثمار الزراعة، والنقل بالسكك الحديدية، وإمدادات المياه، والبنية التحتية للمطارات.

وأوضح رئيس الغرفة التجارية والصناعية الإسبانية الجزائرية قائلا: "إن مستقبل الصناعة واعد، والجزائر تسعى لفتح صفحة جديدة من التعاون الصناعي والتكنولوجي".