وضعت دراسة جديدة للمعهد البولندي للشؤون الدولية (PISM)، نُشرت الخميس 5 نوفمبر 2026، الجزائر في صدارة التحولات الاستراتيجية التي يشهدها الساحل الإفريقي، بعدما عززت حضورها الاقتصادي والأمني في النيجر، وأعادت تنشيط علاقاتها الدبلوماسية مع مالي، في تحرك إقليمي يربط حماية الحدود بتأمين الاستثمارات الطاقوية وإعادة ترتيب موازين النفوذ.

وكشف المركز أن هذه العودة تتزامن مع تصاعد المنافسة مع القوى المسيطرة على شرق ليبيا بقيادة عائلة حفتر، المرتبطة بعلاقات وثيقة بالإمارات، فيما تدخل التحالفات المغربية الإسرائيلية ضمن الحسابات الجيوسياسية التي ترصدها الدراسة، في منطقة أصبحت محورًا استراتيجيًا لأمن شمال إفريقيا ومستقبل إمدادات الغاز نحو أوروبا.

وجاءت هذه القراءة في تحليل أعده الباحث جدجاي تشيريب (Jędrzej Czerep)، بعنوان «الجزائر تعود إلى الساحل»، تناول فيه التحركات الجزائرية الأخيرة باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، بعدما أعادت الجزائر فتح قنوات التعاون مع باماكو ونيامي، وعززت حضور مؤسساتها الاقتصادية والطاقوية، بالتوازي مع تطوير آليات التعاون الأمني لحماية المصالح المشتركة ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وتبرز أهمية الدراسة في أنها تضع الجزائر ضمن القوى الرئيسية القادرة على التأثير في مستقبل الساحل، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، وامتدادها الحدودي، وقدراتها العسكرية، وشبكاتها الطاقوية، وخبرتها الدبلوماسية في إدارة الأزمات الإقليمية، وهي مقومات تمنح تحركاتها أبعادًا تتجاوز العلاقات الثنائية مع دول الجوار. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، اضطلعت الجزائر بأدوار محورية في مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني بين دول المنطقة، وكانت من الأطراف المؤسسة للجنة الأركان العملياتية المشتركة «سيموك»، قبل أن تقود الوساطة التي أفضت إلى اتفاق السلام والمصالحة في مالي سنة 2015، بما رسخ مكانتها طرفًا رئيسيًا في المساعي الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.

وبحسب المعهد البولندي، فإن التحركات الجزائرية خلال 2026 تعكس اعتماد مقاربة أكثر انخراطًا في التعامل مع التحولات التي شهدتها دول الساحل، تقوم على الجمع بين الحوار السياسي والمشاريع الاقتصادية والتعاون الدفاعي، بما يسمح بتعزيز المصالح المشتركة وإرساء شراكات تستجيب للاحتياجات التنموية والأمنية لدول المنطقة.

النيجر.. استثمارات تعزز النفوذ الجزائري

وتشكل النيجر أحد أبرز محاور هذا التحول، بعدما شهدت العلاقات الثنائية توسعًا ملحوظًا خلال 2026، تُرجم بتوقيع أكثر من 20 اتفاقًا اقتصاديًا، مع تركيز خاص على قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار، بما يعكس انتقال التعاون إلى مرحلة أكثر تقدمًا من الشراكة الاقتصادية.

وأبرزت الدراسة أن شركة سوناطراك عززت حضورها في قطاع المحروقات النيجري، حيث تمتلك مصالح في الرقعة النفطية كفرا شمال البلاد، كما دُعيت إلى إعادة دراسة الجدوى الخاصة بحقل بيلما النفطي، في خطوة تفتح المجال أمام توسيع التعاون في الاستكشاف والإنتاج، وتعزيز دور المؤسسات الجزائرية في تطوير الموارد الطاقوية بالنيجر.

وامتدت الشراكة إلى قطاع الكهرباء، من خلال محطة أنجزتها سونلغاز بتمويل جزائري، ودخلت الخدمة في يونيو 2026، بعد فترة إنجاز قدرت بنحو 70 يومًا، بطاقة تبلغ 40 ميغاواط، للمساهمة في دعم إمدادات العاصمة نيامي والمناطق المحيطة بها.

ويعكس هذا المشروع قدرة المؤسسات الجزائرية على تنفيذ منشآت طاقوية في آجال قصيرة، وتوظيف خبراتها التقنية والهندسية في دعم احتياجات دول الجوار، بما يمنح التعاون الاقتصادي بعدًا تنمويًا مباشرًا، ويعزز حضور الجزائر شريكًا في تطوير البنية التحتية الأساسية.

وتكشف هذه الاستثمارات عن مقاربة تقوم على تحويل العلاقات السياسية إلى مشاريع إنتاجية وخدمات ملموسة، بما يساهم في تعزيز الروابط الاقتصادية طويلة الأمد، ويوفر فرصًا إضافية للمؤسسات الجزائرية في قطاعات المحروقات والكهرباء والخدمات التقنية واللوجستية.

وتكتسب النيجر أهمية خاصة في هذه المعادلة، باعتبارها حلقة محورية في مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يستهدف نقل الغاز النيجيري عبر الأراضي النيجرية نحو الجزائر، ومنها إلى الأسواق الأوروبية.

ويمتد المشروع المخطط له على أكثر من أربعة آلاف كيلومتر، بطاقة نقل مستهدفة تتراوح بين 20 و30 مليار متر مكعب سنويًا، ما يجعله أحد أبرز مشاريع الربط الطاقوي بين إفريقيا وأوروبا، ويمنح الجزائر موقعًا محوريًا في تطوير ممر جديد لإمدادات الغاز.

 ومن هذا المنظور، فإن تعزيز الاستقرار في النيجر يرتبط مباشرة بمستقبل الاستثمارات الطاقوية الجزائرية، وبإمكانية تطوير البنية التحتية اللازمة لربط الموارد الإفريقية بالأسواق الدولية، بما يدعم مكانة الجزائر ضمن منظومة الطاقة الإقليمية.

حضور عسكري لحماية المصالح الاستراتيجية

وتوقف المعهد البولندي عند التطور الذي شهدته العلاقات العسكرية الجزائرية النيجرية، بعدما أعلنت الجزائر في أغسطس الماضي إرسال مقاتلات من طراز «سوخوي سو-30» إلى نيامي، استجابة لطلب السلطات النيجرية عقب أحداث أمنية وصفت بأنها محاولة لزعزعة استقرار البلاد.

وتعزز التعاون بتوقيع بروتوكول عسكري في 21 أكتوبر، قبل أن يوافق البرلمان الجزائري بغرفتيه، يوم 25 أكتوبر، على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، في إطار الإجراءات الدستورية المنظمة لنشر القوات خارج التراب الوطني.

وأكدت الرئاسة الجزائرية في 26 أكتوبر أن القرار جاء استجابة لطلب السلطات النيجرية، بهدف حماية المصالح الاقتصادية والطاقوية المشتركة، فيما أوضحت التصريحات البرلمانية أن المهمة تتعلق أساسًا بتأمين المنشآت المرتبطة بالاستثمارات الجزائرية.

ويمثل هذا التطور أول انتشار بري خارجي من نوعه منذ مشاركة الجيش الجزائري في حرب أكتوبر 1973، ويعكس توسيع نطاق التعاون الدفاعي مع دول الجوار ضمن ترتيبات ثنائية قائمة على طلب الدولة المعنية والموافقة البرلمانية الجزائرية.

وتبرز الأهمية الاقتصادية لهذه الخطوة في ارتباط التعاون الأمني بحماية المنشآت والاستثمارات وشبكات الإمداد، خصوصًا في المناطق التي تمر عبرها المشاريع الطاقوية والممرات التجارية.

وأشارت الدراسة إلى أهمية منطقة ماداما شمال النيجر، القريبة من الحدود مع ليبيا وتشاد، باعتبارها موقعًا استراتيجيًا عند تقاطع الممرات الصحراوية، مع حديثها عن انتشار جزائري في مناطق أخرى مرتبطة بحماية المنشآت وشحنات الوقود.

ويعكس هذا المسار ترابط البعدين الاقتصادي والأمني في التعاون الجزائري مع النيجر، حيث يرتبط تطوير المشاريع الكبرى بتهيئة الظروف اللازمة لحماية الاستثمارات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي.

مالي.. الدبلوماسية الجزائرية تستعيد زخمها

وفي مالي، رصد المعهد تحولًا مهمًا في العلاقات الثنائية، بعدما تمكنت الجزائر وباماكو من إعادة تنشيط قنوات التواصل الدبلوماسي خلال 2026، وصولًا إلى استعادة التمثيل الدبلوماسي وإعادة فتح المجال الجوي في يوليو، عقب الأزمة التي شهدتها العلاقات في أبريل 2025.

وأشار المركز إلى أن الوساطة النيجرية والاتصالات الروسية ساهمت في تهيئة ظروف التقارب، الذي تعزز بزيارات متبادلة على مستوى رئيسي الحكومتين خلال أغسطس وسبتمبر، وفتح المجال أمام مناقشة ملفات التعاون الأمني والمشاريع الاقتصادية المشتركة.

وتكتسب عودة العلاقات مع مالي أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الجزائر، بالنظر إلى الحدود المشتركة التي تقارب 1400 كيلومتر، وإلى الترابط الأمني والاقتصادي والاجتماعي بين المناطق الحدودية، فضلًا عن الحاجة إلى تنسيق مستمر في مواجهة الجماعات المسلحة والأنشطة غير المشروعة العابرة للحدود.

ويبرز هذا التطور أهمية الدبلوماسية الجزائرية في إعادة بناء قنوات الحوار وتعزيز التعاون مع دول الجوار، بما يخدم استقرار المنطقة ويوفر ظروفًا أفضل لتطوير المبادلات التجارية والمشاريع الاقتصادية المشتركة.

كما تستند الجزائر في علاقاتها مع مالي إلى رصيد دبلوماسي يمتد إلى اتفاق السلام والمصالحة الموقع سنة 2015، والذي شكل إحدى أبرز محطات الوساطة الجزائرية في المنطقة.

ويمنح استئناف الحوار بين الجزائر وباماكو فرصًا لتوسيع التعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية، وإعادة تنشيط المبادلات عبر الحدود، وتطوير مشاريع تستفيد من الموقع الجغرافي للبلدين وامتدادهما ضمن الفضاء الصحراوي والإفريقي.

30 مليار متر مكعب.. ورقة الجزائر الطاقوية

أما على المستوى الاقتصادي الدولي، فقد منح المعهد البولندي مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء أهمية محورية في تفسير التحركات الجزائرية، معتبرًا أن تعزيز الاستقرار في النيجر يمكن أن يرفع فرص استكمال المقطع الأوسط من المشروع.

وتبلغ الطاقة المستهدفة للأنبوب ما بين 20 و30 مليار متر مكعب سنويًا، ما يفتح المجال أمام تطوير ممر جديد لنقل الغاز النيجيري إلى الأسواق الأوروبية عبر الجزائر، بالاستفادة من شبكات النقل والبنية التحتية الطاقوية الجزائرية.

ويكتسب المشروع أهمية إضافية في ظل مساعي الاتحاد الأوروبي لتنويع مصادر إمداداته من الغاز الطبيعي، حيث يمكن لإنجازه أن يعزز دور الجزائر في الربط بين الموارد الطاقوية الإفريقية والأسواق الأوروبية.

وتبرز القيمة الاستراتيجية للمشروع في أنه يجمع بين مصالح الدول الثلاث، نيجيريا والنيجر والجزائر، ضمن سلسلة متكاملة للإنتاج والنقل والتصدير، بما يوفر فرصًا لتطوير الاستثمارات والبنية التحتية والخدمات المرتبطة بالطاقة. كما يمنح المشروع الجزائر مجالًا لتوسيع نشاط مؤسساتها الطاقوية وتعزيز الاستفادة من خبراتها في الاستكشاف والنقل والتسييل والتصدير، مع تطوير علاقاتها الاقتصادية مع دول غرب إفريقيا.

وتتجاوز أهمية التعاون الجزائري مع النيجر ومالي قطاع المحروقات، لتشمل الكهرباء والبنية التحتية والخدمات التقنية والتجارة، وهي مجالات تتيح بناء شراكات اقتصادية متعددة القطاعات، وتوسيع حضور المؤسسات الجزائرية داخل الأسواق الإفريقية.

وفي المقابل، أشار المعهد إلى أن المنافسة الإقليمية المتصاعدة تستدعي استمرار الجهود الدبلوماسية لتفادي انعكاساتها على استقرار المناطق الحدودية والجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية.

وتخلص الدراسة إلى أن الجزائر انتقلت خلال الأشهر الأخيرة إلى مرحلة أكثر نشاطًا في الساحل، تجمع بين تعزيز العلاقات الدبلوماسية وتوسيع الاستثمارات وحماية المصالح الطاقوية وتطوير التعاون الأمني. 

وتبرز أهمية هذا التحول في ارتباطه بمشاريع اقتصادية قابلة للقياس، تشمل أكثر من 20 اتفاقًا مع النيجر، ومحطة كهربائية بقدرة 40 ميغاواط، واستثمارات نفطية، ومشروعًا استراتيجيًا لنقل ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا.

وبذلك، تقدم دراسة المعهد البولندي للشؤون الدولية صورة لجزائر تعزز حضورها في الساحل عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية وأمنية متكاملة، في منطقة تتزايد أهميتها بالنسبة إلى أمن شمال إفريقيا وإمدادات الطاقة الأوروبية، وتتشكل فيها توازنات جديدة بين القوى الإقليمية والدولية.

كما تؤكد القراءة البولندية أن التحركات الجزائرية لا تنفصل عن المصالح الاقتصادية طويلة الأمد، حيث يرتبط تعزيز الاستقرار في دول الجوار بحماية الاستثمارات وتطوير البنية التحتية وتأمين الممرات التجارية والطاقوية.

وفي المحصلة، تعكس عودة الجزائر إلى الساحل، كما يرصدها المركز البولندي، انتقال التعاون مع مالي والنيجر إلى مرحلة تجمع بين الدبلوماسية والاستثمار والطاقة والأمن، بما يعزز موقع الجزائر طرفًا رئيسيًا في مستقبل المنطقة.

وبين مشاريع الكهرباء والنفط والغاز، وتوسيع الشراكات الثنائية، وتطوير آليات التعاون الدفاعي، تتبلور معادلة إقليمية تستند إلى قدرة الجزائر على تحويل حضورها الجغرافي وخبراتها الاقتصادية والطاقوية إلى شراكات استراتيجية، تربط العمق الإفريقي بالأسواق الدولية وتدعم الاستقرار والتنمية في محيطها الإقليمي.

وداد. ج