تضع الأرقام الرسمية في المغرب صورة مقلقة عن واقع القدرة الشرائية للأسر، في ظل تصاعد الضغوط المعيشية وتزايد صعوبة الوفاء بالاحتياجات اليومية، بعدما كشفت نتائج بحث المندوبية السامية للتخطيط أن 76.3 بالمائة من الأسر المغربية صرحت بتدهور مستوى معيشتها خلال 12 شهراً الماضية، فيما اضطرت 39 بالمائة منها إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها، في مؤشر يعكس اتساع دائرة الضغوط المالية التي تواجه العائلات.

وتكشف النتائج أن هامش الادخار لدى الأسر أصبح شبه منعدم لدى غالبية المغاربة، إذ سجلت نسبة ضئيلة جدا للأسر التي تمكنت من ادخار جزء من مداخيلها، مقابل نسبة وصلت حدود ال60 بالمائة قالت إن دخلها بالكاد يغطي مصاريفها. وهي معطيات تعكس وضعاً مالياً هشاً، تجد فيه العديد من الأسر نفسها أمام خيارين صعبين، استنزاف ما تبقى من مدخراتها أو الاستدانة لمواجهة متطلبات الحياة اليومية.

ولا تقف مؤشرات الغلاء عند حدود التصريحات المتعلقة بالوضع المالي، بل تمتد إلى تفاصيل الاستهلاك اليومي، حيث ترصد الشهادات الحية التصريحات التي يدلي بها المواطنون المغاربة في كل مرة والتي تحمل في طياتها تذمرا واستياء كبيرين نتيجة تقلص حجم القفة الغذائية وتراجع القدرة على اقتناء الكميات والمنتجات نفسها، في ظل ارتفاع تكاليف المواد الأساسية والكراء والفواتير، ما يجعل تدبير ميزانية الأسرة معركة يومية لإعطاء الأولوية للضروريات على حساب بقية الاحتياجات.

كما تمتد حالة القلق إلى سوق العمل، نتيجة توقعات ارتفاع معدلات البطالة خلال السنة المقبلة، مايترتب عنه تدهور مستوى معيشة المغاربة أكثر فأكثر، خلال الأشهر القايلة المقبلة، ما يعكس استمرار حالة التشاؤم بشأن الآفاق الاقتصادية والاجتماعية.

وهكذا، تضع هذه الأرقام الخطاب الرسمي المغربي حول جعل المواطن في صدارة الأولويات أمام اختبار حقيقي، وتفتح باب التساؤلات بشأن حصيلة السياسات الحكومية وقدرتها على ترجمة الوعود إلى واقع ملموس. فكيف يمكن الحديث عن كرامة المواطن وأولويته، بينما تعجز أسر عن تأمين قوتها اليومي، وتضطر أخرى إلى الاستدانة لتغطية أبسط احتياجاتها، فيما تتبخر مدخرات ما تبقى منها تحت وطأة الغلاء؟ مفارقة تكشف اتساع الهوة بين الشعارات الحكومية والواقع الاجتماعي، وتضع الحكومة المغربية أمام مسؤولية سياسية واجتماعية لا يمكن التهرب منها.

فالمواطن الذي يُفترض أن يكون محور السياسات العمومية يجد نفسه في مواجهة الأسعار والديون والقلق من المستقبل، وحين تصبح لقمة العيش معركة يومية، لا تعود الشعارات عن أولوية المواطن كافية لإقناعه، وهذا هو حال نظام المخزن.. تتصدر الوعود المشهد بينما تتراجع القدرة على تأمين أبسط شروط العيش، إذا فهو فعلا إخفاق حكومي تفضحه الأرقام قبل أن تكشفه شكاوى المواطنين.

أمينة / ش