يتجدد التضامن الدولي مع الشعب الصحراوي وكفاحه من أجل انتزاع حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال، في ظل تحركات سياسية وحقوقية وثقافية بأوروبا تضع الاحتلال المغربي للصحراء الغربية وممارساته الرامية إلى نهب ثروات الإقليم ومحاولة فرض الأمر الواقع، أمام مسؤولية المجتمع الدولي في إنهاء الاستعمار.

وفي هذا الإطار، يحتضن البرلمان الأوروبي، اليوم الأربعاء، حسب ما أوردته وكالة الأنباء الصحراوية (واص)، ندوة حول نهب الثروات الطبيعية الصحراوية والسياحية في ظل الاحتلال المغربي، تتخللها مناقشة تقرير دولي بعنوان "السياحة في سياق الاحتلال: الداخلة من القاعدة العسكرية إلى لؤلؤة الصحراء"، يوثق توظيف المشاريع السياحية والاستثمارات والبنية التحتية والربط الجوي في محاولة تكريس احتلال الإقليم واستغلال مقدراته خارج إرادة شعبه.

وتنظم هذه الندوة المجموعة البرلمانية الأوروبية للتضامن مع الشعب الصحراوي، بالتنسيق مع مجموعة العمل الصحراوية المكلفة بملف الثروات الطبيعية والقضايا القانونية، بمشاركة برلمانيين ومحامين وخبراء وأساتذة في القانون الدولي، في تحرك يؤكد اتساع الاهتمام الأوروبي بالجوانب القانونية والاقتصادية للاحتلال المغربي، وضرورة وضع حد لاستغلال الثروات الصحراوية دون موافقة ممثل الشعب الصحراوي، جبهة البوليساريو.

ويكشف التقرير كيف تحولت مدينة الداخلة المحتلة إلى واجهة لمشاريع سياحية واستثمارات يجري تسويقها دوليا، فيما تستخدم هذه الأنشطة، بحسب ما يوثقه، لإعادة تشكيل الواقع الاقتصادي والتجاري للإقليم المحتل وإدماجه في منظومة الاحتلال المغربي، مع استغلال خطوط النقل الجوي، ولا سيما الرحلات التي تسيرها شركة "رايان إير".

ولا ينفصل هذا التوجه عن محاولة الاحتلال إلى تقديم الداخلة باعتبارها وجهة سياحية عادية، مع تغييب وضع الصحراء الغربية باعتبارها إقليما غير محكوم ذاتيا مدرجا على قائمة الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار، في محاولة لفرض واقع اقتصادي واستثماري يوحي بحسم مسألة السيادة على الإقليم المحتل، رغم أن الشعب الصحراوي لم يمارس بعد حقه في تقرير المصير والاستقلال.

ومن المنتظر أن يقدم المستشار الخاص لرئيس الجمهورية الصحراوية المكلف بملف الثروات الطبيعية والقضايا القانونية، أبي بشراي البشير، موقف جبهة البوليساريو من التطورات الأخيرة، وآفاق المعركة القانونية دفاعا عن حقوق الشعب الصحراوي، في ضوء عدم تمديد عهدة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو).

كما يستعرض محامي جبهة البوليساريو أمام المحاكم الأوروبية، مانويل ديفرس، مستجدات التقاضي أمام محكمة العدل الأوروبية والخطوات القانونية المقبلة على المستويين الوطني والأوروبي، فيما يتناول رئيس المجموعة البرلمانية الأوروبية للتضامن مع الشعب الصحراوي، أندرياس شيدر، آفاق العمل البرلماني الأوروبي المساند للقضية الصحراوية.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بالنظر إلى الإجراءات القانونية التي أعلنت جبهة البوليساريو شروعها فيها بإسبانيا، في 26 أكتوبر الماضي، للطعن في رخصة شركة الطيران الإيرلندية منخفضة التكلفة "رايان إير"، على خلفية تسيير رحلات جوية تربط مدريد وجزيرة لانزاروتي بمدينة الداخلة المحتلة.

وبالتوازي مع هذه التحركات داخل المؤسسات الأوروبية، شهدت العاصمة الألمانية برلين، أمس الثلاثاء، يوما سياسيا وثقافيا تضامنا مع كفاح الشعب الصحراوي، نظمته مجموعة "التضامن من أجل الصحراء الغربية-برلين"، بمشاركة مهتمين بالقضية الصحراوية وفاعلين في حركات التحرر والتضامن الدولية.

وجمع النشاط بين المحاضرات والنقاشات السياسية والعروض السينمائية والفنية، إلى جانب معارض صور والكتب وفضاء للتعريف بالثقافة الصحراوية، في مبادرة تهدف إلى إبراز تاريخ الشعب الصحراوي ونضاله من أجل الحرية والاستقلال، وكسر التعتيم الإعلامي المفروض على قضيته.

وفي المحور السياسي، قدمت البعثة الصحراوية ببرلين عرضا حول تاريخ حركة التحرر الوطني الصحراوي والظروف التاريخية والسياسية التي أفضت إلى تأسيس جبهة البوليساريو، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي، فيما تناول الصحفي الألماني والخبير في شؤون المغرب العربي، يورغ تيدين، القضية الصحراوية في أبعادها التاريخية والإقليمية والجيوسياسية.

كما عرض خلال الفعالية الفيلم الوثائقي "ليمبو، الوعد المنسي" للمخرج الإسباني أنطونيو رودريغو، الذي يتناول تاريخ القمع والاضطهاد المسلط على الشعب الصحراوي ومقاومته، ويستحضر واقع الصحراء الغربية باعتبارها إقليما لم تستكمل فيه عملية تصفية الاستعمار، مع إبراز ثراء الثقافة الصحراوية وخصوصيتها.

وفي نفس السياق، تناولت صحيفة "AbrilAbril" البرتغالية، أمس بيان جبهة البوليساريو بشأن عدم تمديد مهمة بعثة المينورسو، مؤكدة تمسكها بمواصلة الدفاع عن حقوق الشعب الصحراوي، وفي مقدمتها تقرير المصير والاستقلال.

وتعكس هذه التحركات تعدد جبهات التضامن مع الشعب الصحراوي، من المساءلة القانونية للأنشطة الاقتصادية في الإقليم المحتل إلى التحرك البرلماني والتعبئة الشعبية والثقافية، بما يعيد التأكيد على أن الاحتلال المغربي لا يمكن أن يحول دون تمتع الشعب الصحراوي بحقوقه الوطنية، ولا أن يجعل نهب ثرواته أو فرض الأمر الواقع بديلا عن تسوية عادلة تضمن له تقرير المصير والاستقلال.