من أعماق الصحراء الجزائرية، حيث تختزن الأرض واحدة من أعظم الثروات المنجمية، يبرز مشروع غارا جبيلات كأحد أبرز الرهانات الاستراتيجية التي تعوّل عليها الجزائر لصناعة تحول اقتصادي واعد، وفتح آفاق جديدة نحو تنويع الاقتصاد الوطني والتحرر التدريجي من التبعية للمحروقات.

وفي سياق الاهتمام المتنامي بهذا المشروع الاستراتيجي، احتضنت جامعة أبي بكر بلقايد بتلمسان ملتقى وطنياً علمياً حول سياسة التعدين في الجزائر، تحت شعار: «غارا جبيلات: رؤية استراتيجية لدور الجزائر في سلاسل الإمداد العالمية وتحقيق التنويع الاقتصادي»، بمشاركة أساتذة وباحثين وخبراء، ناقشوا مختلف الأبعاد الاقتصادية والصناعية والجيو-استراتيجية لهذا المشروع العملاق.

اللقاء لم يكن مجرد فضاء أكاديمي لتبادل الآراء، بل شكل فرصة لقراءة مستقبل الثروة المنجمية الجزائرية، واستشراف التحولات التي يمكن أن يحدثها استغلال منجم غارا جبيلات في بنية الاقتصاد الوطني، باعتباره مشروعاً يتجاوز إنتاج الحديد إلى بناء منظومة صناعية متكاملة، قوامها تثمين الموارد الطبيعية، وتطوير الصناعات التحويلية، وخلق قيمة مضافة محلية قادرة على تعزيز تنافسية المنتوج الجزائري في الأسواق العالمية.

وقد تمحورت النقاشات العلمية حول الآفاق الواعدة التي يفتحها المشروع، لاسيما في مجال تنويع الصادرات خارج قطاع المحروقات، واستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، وخلق فرص العمل، فضلاً عن بعث ديناميكية تنموية جديدة بالمناطق الجنوبية، وتعزيز البنى التحتية وشبكات النقل واللوجستيك المرتبطة بالنشاط المنجمي.

كما سلط المشاركون الضوء على أهمية الانتقال من منطق استغلال الثروات الطبيعية إلى منطق صناعتها وتثمينها، من خلال توظيف البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيات الحديثة، مع ضرورة إرساء مقاربة تنموية مستدامة تراعي التوازنات البيئية والاقتصادية والاجتماعية. 

ويعكس تنظيم هذا الملتقى بجامعة تلمسان الدور المتنامي للمؤسسة الجامعية في مواكبة المشاريع الوطنية الكبرى، من خلال تقديم الدراسات والرؤى العلمية التي من شأنها مرافقة الخيارات الاقتصادية الاستراتيجية للبلاد، وتعزيز جسور التعاون بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي والصناعي.

وبين ثراء باطن الأرض وطموحات التنمية، يظل غارا جبيلات أكثر من مجرد منجم للحديد؛ إنه رهان على بناء اقتصاد متنوع، وقاعدة صناعية أقوى، ومكانة أكثر حضوراً للجزائر في خريطة الاقتصاد العالمي.

يوسف. س