تضع غرفة الطاقة الإفريقية الجزائر أمام مرحلة جديدة من تطوير قدراتها الغازية، في ظل هدف حكومي لرفع الإنتاج السنوي إلى 200 مليار متر مكعب، وتخصيص 100 مليار متر مكعب منها للتصدير، مقابل توقعات بإنتاج نحو 10 مليارات قدم مكعبة يوميًا من الغاز الطبيعي خلال 2026.

وتكشف هذه المعطيات، الواردة في تقرير «حالة الطاقة الإفريقية: آفاق 2026»، عن الأهمية الاستراتيجية للاستثمارات الموجهة إلى الحقول القائمة ومشاريع التطوير الجديدة، في وقت تحتفظ فيه سوناطراك بموقعها المحوري داخل صناعة المحروقات الجزائرية، بمساهمة تتجاوز 80% من إنتاج الغاز ونحو 75% من إنتاج السوائل النفطية.

ويقدم التقرير، الذي يستند في بياناته إلى مؤسسة «إس آند بي غلوبال كوموديتي إنسايتس»، قراءة لمستقبل القطاع الجزائري انطلاقًا من معطيات وتقديرات أُعدت خلال 2025، وليس من نتائج إنتاج نهائية لسنة 2026.

ويصنف الجزائر ضمن المنتجين الرئيسيين للنفط والغاز في إفريقيا، مع امتلاكها قاعدة إنتاجية واسعة وإمكانات إضافية للنمو، خصوصًا في الغاز الطبيعي الذي يمثل أحد أبرز محاور استراتيجيتها الطاقوية.

وتبرز أهمية هذه التوقعات عند مقارنتها بمستويات الإنتاج المسجلة خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ إجمالي إنتاج المحروقات في الجزائر نحو 3.3 ملايين برميل مكافئ نفط يوميًا خلال 2024، موزعة بنسب متقاربة بين الغاز والسوائل، فيما قدرت الغرفة انخفاضه إلى نحو 3.2 ملايين برميل مكافئ يوميًا في 2025.

أما بالنسبة إلى 2026، فتضع التوقعات إنتاج النفط عند حدود مليون برميل يوميًا، مقابل نحو 10 مليارات قدم مكعبة يوميًا من الغاز الطبيعي. وتعكس هذه الأرقام استمرار الوزن الإنتاجي الكبير للجزائر داخل السوق الإفريقية، لكنها تكشف أيضًا أهمية تجديد الاستثمارات للحفاظ على مستويات الإمداد وتطويرها.

إذ يرجح التقرير استقرار إجمالي إنتاج المحروقات في حدود 3 ملايين برميل مكافئ نفط يوميًا خلال السنوات الخمس التالية لإعداد توقعاته، مع ارتباط المسار المستقبلي بوتيرة تطوير المكامن وإدخال المشاريع الجديدة حيز الاستغلال.

وسط هذه المعادلة تحتل سوناطراك موقعًا حاسمًا، بالنظر إلى سيطرتها على الحصة الأكبر من الإنتاج الوطني، واتساع نشاطها في الاستكشاف والتطوير والمعالجة والنقل. كما يمنح تمركز العمليات النفطية والغازية في الأحواض البرية بجنوب البلاد أهمية خاصة للاستثمارات الموجهة إلى رفع مردودية الحقول المنتجة وربط الاكتشافات الجديدة بالبنية التحتية القائمة.

ولا تقتصر فرص زيادة الإنتاج على اكتشاف حقول ضخمة، بل تشمل أيضًا تطوير المكامن الأصغر الواقعة بالقرب من المنشآت النفطية والغازية المستغلة.

ويعتبر التقرير أن هذا النوع من الاكتشافات يمكن أن يحافظ على جدواه الاقتصادية بفضل إمكانية الاستفادة من شبكات التجميع والمعالجة والنقل الموجودة، بما يساهم في تقليص متطلبات التطوير مقارنة بالمشاريع التي تحتاج إلى بنية تحتية جديدة بالكامل.

14 اكتشافًا للمحروقات في الجزائر

 وفي هذا الإطار، أحصت غرفة الطاقة الإفريقية 14 اكتشافًا للمحروقات في الجزائر خلال 2024، مع تسجيل نشاط استكشافي بارز لسوناطراك وشريكها الإيطالي إيني، خصوصًا في منطقتي حاسي مسعود وبركين.

 وتعكس هذه النتائج استمرار عمليات البحث عن موارد إضافية داخل الأحواض المنتجة، بالتوازي مع جهود تحسين استغلال الاحتياطيات وتطوير المشاريع القريبة من المنشآت القائمة.

كما حدد التقرير مشروعي تجميع الغاز في تين فوي تبنكورت جنوب وعين أمناس 2 ضمن التطويرات التي كان مقررًا دخولها الخدمة خلال 2026.

ومن المنتظر، وفق تقديراته، أن يتيح المشروعان كميات إضافية من الغاز القابل للتسويق، دون أن تؤدي مساهمتهما منفردة إلى تحول كبير في الحجم الإجمالي للإنتاج التجاري.

ويشير هذا التقييم إلى أن توسيع الإمدادات الغازية يتطلب تراكُم نتائج عدة مشاريع، تشمل الاستكشاف وتطوير الحقول وتجميع الغاز وتحسين كفاءة العمليات، بدل الاعتماد على منشأة واحدة لإحداث زيادة واسعة في الإنتاج الوطني.

ويتناول التقرير كذلك البعد البيئي للتطوير الطاقوي، من خلال الإشارة إلى تركيب تجهيزات كهروضوئية بمجمع بئر ربع شمال «BRN» المرتبط بنشاط إيني. 

ويقدم هذه الخطوة مثالًا على إدماج الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية في عمليات المنبع، بما يتيح خفض الانبعاثات المرتبطة ببعض الأنشطة التشغيلية. غير أن التحدي الاقتصادي الأبرز لا يرتبط بالإنتاج وحده، بل بحجم الغاز الذي يمكن توجيهه إلى الأسواق الخارجية بعد تلبية الطلب الوطني.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل استحواذ قطاع توليد الكهرباء على نحو 50% من الاستهلاك المحلي للغاز، بحسب تقديرات الغرفة، نتيجة التوسع الكبير في قدرات إنتاج الكهرباء خلال العقد الثاني من الألفية.

وقد سمح هذا التوسع بتلبية احتياجات السوق الوطنية من الطاقة الكهربائية، لكنه رفع في المقابل حجم الغاز المستهلك داخليًا، وهو ما يجعل إدارة الطلب وتحسين كفاءة استخدام الطاقة عاملين مؤثرين في حجم الفائض المتاح للتصدير.

وتبرز هذه العلاقة بصورة أوضح في بيانات الغاز الطبيعي المسال. فبعد أن كانت الجزائر من الدول الرائدة عالميًا في هذا النشاط منذ انطلاق صادراتها سنة 1964، يشير التقرير إلى أن صادراتها بلغت نحو 12 مليون طن في 2024، مقارنة بمستويات قاربت 20 مليون طن سنويًا في أواخر العقد الأول من الألفية.

ولا يعكس هذا المؤشر وحده إجمالي الصادرات الغازية الجزائرية، بالنظر إلى استمرار الإمدادات عبر الأنابيب نحو إيطاليا وإسبانيا، لكنه يوضح أهمية تطوير إنتاج المنبع والحفاظ على كميات كافية من الغاز الموجه إلى الأسواق الدولية.

 بلوغ إنتاج سنوي قدره 200 مليار متر مكعب

وفي ضوء هذه المعطيات، يكتسب الهدف الحكومي المتمثل في بلوغ إنتاج سنوي قدره 200 مليار متر مكعب، منها 100 مليار متر مكعب للتصدير، بعدًا استراتيجيًا يتصل بتوسيع الطاقة الإنتاجية وتعزيز العائدات الخارجية ودعم الموارد اللازمة لتنويع الاقتصاد الوطني. ويظل من الضروري التمييز بين هذا الهدف الحكومي، الذي ينقله التقرير بوصفه طموحًا متوسط الأمد، وبين توقعات الغرفة لإنتاج 2026؛ فالأول يمثل مستوى مستهدفًا، بينما تستند الثانية إلى نماذج وتقديرات قطاعية أُعدت خلال السنة السابقة.

ومن جهة أخرى، يربط التقرير مستقبل الاستثمارات الجزائرية بالتطور الذي شهده الإطار التعاقدي للمحروقات، مستحضرًا نتائج جولة العروض لسنة 2025، التي أسفرت عن إسناد خمس رقع من أصل ست طُرحت للمنافسة، ثلاث منها وفق صيغة تقاسم الإنتاج، واثنتان بموجب نظام الإتاوة والضريبة.

ويعتبر أن التحسينات المرتبطة بقانون المحروقات لسنة 2019 يمكن أن تساهم في تعزيز جاذبية الاستثمار، خصوصًا بالنسبة إلى الشركات الراغبة في تطوير مشاريع الاستكشاف والإنتاج داخل الأحواض الجزائرية، بما يتيح دعم النشاط الاستثماري وتوسيع فرص تطوير الموارد على المدى الطويل.

وتكتسب هذه النتائج أهمية في سياق المنافسة الدولية على رؤوس الأموال الموجهة إلى صناعة النفط والغاز، حيث ترتبط قرارات الاستثمار بعوامل متعددة تشمل الإطار القانوني والتكاليف التشغيلية وتوافر البنية التحتية والجدوى الاقتصادية للمكامن.

وبذلك، ترسم غرفة الطاقة الإفريقية صورة لقطاع جزائري يمتلك قاعدة إنتاجية كبيرة تقودها سوناطراك، ويستند إلى شبكة من الحقول والمنشآت والخبرات الصناعية، مع فرص لتعزيز الإمدادات عبر الاكتشافات الجديدة وتطوير المشاريع القائمة واستقطاب شركاء دوليين.

مروة. ل