زكرياء حبيبي

لا تزال قضية غزو سبتة الفاشلة، تثير ردود أفعال دولية رسمية وغير رسمية، وهذه المرة، ترى الأوساط الأكاديمية والاستخباراتية الصينية أن التدفق الهائل للمهاجرين إلى سبتة يدخل في إطار عملية استخباراتية دبرها المغرب والكيان الصهيوني لزعزعة استقرار إسبانيا.

وقد عبّر مسؤولون من بكين عن هذا الرأي في مقابلات مع الوسيلة الإعلامية الإسبانية "إلموندو"، بشأن تصور أزمة الهجرة في هذه المدينة الإسبانية ذات الحكم الذاتي. كما تنظر بكين إلى أزمة الهجرة في المدينة الإسبانية من منظور جيوسياسي والحرب الهجينة.

وبحر هذا الأسبوع، أيدت نادية حلمي، الباحثة السياسية المصرية المتخصصة في السياسة الصينية والعلاقات الصينية الإسرائيلية، هذه النظرية علنا في مقال نُشر على صفحات مجلة "الدبلوماسية الحديثة"، وهي مجلة دولية متخصصة في الجيوسياسية. وتؤكد الكاتبة أن بعض التقارير الصادرة من بكين تفسر أحداث سبتة على أنها عملية حرب هجينة تهدف إلى زيادة الضغط على حكومة بيدرو سانشيز. ووفقا لهذا التفسير، فإن المناورة تورط فيها الموساد، جهاز المخابرات الإسرائيلي، الذي يسعى إلى شن حملة لزعزعة استقرار إسبانيا.

وأوضحت حلمي قائلة: "قامت مراكز التحليل الاستخباراتي الصينية بدراسة تصاعد التوترات الدبلوماسية والسياسية بين إسبانيا وإسرائيل. ومن هذا المنطلق، ربما يكون تدهور العلاقات الثنائية قد دفع الموساد إلى التدخل في أزمة الهجرة بين المغرب وإسبانيا".

وفي محادثات خاصة، يتساءل بعض الدبلوماسيين والمحللين المقربين من الأوساط السياسية في بكين عما إذا كان للهجوم على سبتة أي صلة بالتدهور التدريجي للعلاقات بين مدريد وإسرائيل، والذي له علاقة بمواقف الحكومة الإسبانية بخصوص الإبادة الجماعية في غزة والاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ويقول دبلوماسي فضل عدم الكشف عن هويته "منذ تطبيع العلاقات في عام 2020، أصبح المغرب وإسرائيل حليفين وعززا تعاونهما في مجالي الدفاع والاستخبارات".

ولم تقتصر هذه النظرية على الصين فحسب، بل لا تزال تثير ردود أفعال دولية عدّة، سواء على المستويات الرسمية أو غيرها...، فقد اتهم الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مباشرة بأنه المسؤول الأول عن أزمة الهجرة في سبتة. وأنه هو من "يدفع الفقراء ليخاطروا بحياتهم للوصول إلى إسبانيا"، وأن المغرب "استسلم لمخططات مرتكب الإبادة الجماعية"، رابطا تدفق المهاجرين بالعلاقات الوثيقة بين الرباط وتل أبيب.

كما اتهم بيترو رئيس الوزراء الصهيوني بشن حملات زعزعة استقرار ضد الحكومات التي تنتقد سياساته تجاه الشرق الأوسط.

وفي الصين، حيث يُعدّ ضبط الحدود ركيزة أساسية للأمن القومي، أثارت صور آلاف الأشخاص وهم يعبرون الحدود الإسبانية مزيجا من الدهشة وعدم التصديق لدى العديد من مستخدمي الإنترنت الصينيين. وكان السؤال الأكثر شيوعا: "كيف يُعقل أن يعبروا الحدود بهذه السهولة؟".

وبعيدا عن المنظور المتعلق بالهجرة، يُوضح المسؤولون والدبلوماسيون الصينيون أن أزمة سبتة ينظر إليها في بكين في المقام الأول من منظور جيوسياسي. وتُمثل سبتة قطعة أخرى على رقعة الشطرنج المعقدة في غرب البحر الأبيض المتوسط، وهي منطقة تتلاقى فيها طرق بحرية حيوية، وبنية تحتية للموانئ، وإمدادات طاقة، ووجود اقتصادي صيني متنام.

وتجلّت العلاقة الوثيقة بين حكومتي بيدرو سانشيز وشي جين بينغ في زيارات الرئيس الإسباني الأربع إلى بكين، وهو عدد يفوق زيارات أي زعيم أوروبي آخر، مما عزز مكانة إسبانيا كإحدى أكثر الدول تقبلا للحوار مع الصين داخل الاتحاد الأوروبي.

فهل ستدفع هذه الأحداث، قادة الصين، إلى مراجعة حساباتهم، بشأن علاقات بلدهم مع المغرب، الذي بات يُنفذ مخططات قوى الاستعمار الجديد؟ وهي مخططات يعتبرها الكثير من المراقبين، بأنها تهديد مباشر لمصالح الصين الإستراتيجية، وكل من يعارض سياسة هيمنة القوى هذه.