أكدت الجزائر، أمس الجمعة، أن أي محاولة لفرض حل مسبق على الشعب الصحراوي أو الالتفاف على حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير تمثل انحرافا خطيرا عن الشرعية الدولية ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، منددة بشدة بالمساعي الرامية إلى إضفاء الشرعية على واقع استعماري مفروض بالقوة في الصحراء الغربية.

وفي كلمة قوية اللهجة أمام مجلس الأمن الدولي، خلال المناقشات المتعلقة بتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، شدد الممثل الدائم للجزائر لدى الأمم المتحدة، السفير عمار بن جامع، على أن حق الشعوب في تقرير مصيرها ليس ورقة تفاوضية ولا امتيازا تمنحه القوى النافذة أو تسحبه، بل هو حق أصيل وثابت وغير قابل للتصرف، تكفله الشرعية الدولية وتؤكده قرارات الأمم المتحدة.

وفي هذا السياق، تساءل السفير بن جامع عن الجهات التي تخشى الاحتكام إلى إرادة الشعب الصحراوي، قائلا إن تقرير المصير يظل السبيل الأوضح والأكثر أمنا وشرعية لتمكين شعب من اختيار مستقبله بحرية ودون إكراه أو وصاية. وحذر الدبلوماسي الجزائري من خطورة تحويل المفاوضات السياسية إلى مجرد آلية لفرض نتيجة محددة سلفا، مؤكدا أن الحل السياسي الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا حلا عادلا ومقبولا من الطرفين، يستند إلى القانون الدولي ويأخذ بعين الاعتبار مواقف الأطراف المعنية وانشغالاتها المشروعة.

وانتقد في هذا الصدد تجاهل التحفظات التي أعربت عنها الجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو بشأن النص المعروض على مجلس الأمن، معتبرا أن تجاهل هذه المواقف يفرغ مبدأ التفاوض من مضمونه ويحول العملية السياسية إلى مسار شكلي يراد من خلاله تكريس أمر واقع مفروض، بدلا من البحث عن تسوية عادلة ودائمة للنزاع.

كما وجه السفير بن جامع تحذيرا شديدا من أي مساس بقواعد القانون الدولي المتعلقة بالسيادة، مشددا على أنه لا يجوز لأي جهة أن تمنح قوة قائمة بالاحتلال حقا لا تملكه قانونا، ولا أن تحول الاحتلال والضم إلى مصدر للحقوق أو أساس لاكتساب السيادة.

وفي لهجة حازمة، نبه إلى أن الوثيقة المعروضة أمام المجلس لا تستهدف تسهيل التوصل إلى تسوية سياسية متوازنة، بقدر ما تسعى إلى إضفاء الشرعية على أمر واقع نجم عن غزو إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي ومحاولة ضمه، محذرا من أن تكريس مثل هذه الممارسات يشكل سابقة بالغة الخطورة من شأنها تقويض أسس النظام الدولي وفتح الباب أمام منطق القوة على حساب القانون. 

وفي هذا السياق، لم يتردد السفير بن جامع في التنديد بالصفقة المشينة التي أبرمت على حساب الشعب الفلسطيني، والتي يراد اليوم أن يدفع الشعب الصحراوي بدوره ثمنها من حريته وحقوقه المشروعة.

وأكد أن ما يجري ليس سوى محاولة للمقايضة بحقوق شعبين يرزحان تحت الاحتلال، خدمة لمصالح قوتين احتلاليتين نافذتين، في استخفاف صارخ بالشرعية الدولية وبالقيم والمبادئ التي قامت عليها منظمة الأمم المتحدة.

وشدد على أن حقوق الشعبين الفلسطيني والصحراوي ليست سلعة للمساومة، وأن الحرية وتقرير المصير لا يمكن أن يكونا ثمنا لصفقات سياسية تبرم على حساب الشعوب وحقوقها غير القابلة للتصرف. وفي معرض تطرقه إلى البعد الإنساني للنزاع، رفض السفير الجزائري اختزال مأساة الشعب الصحراوي في مجرد أرقام وإحصائيات واحتياجات غذائية، مؤكدا أن الصحراويين ليسوا مجرد مجموعة من اللاجئين، بل شعب له هويته وتطلعاته وحقه المشروع في الحرية وتقرير المصير. 

وحذر من خطورة توظيف المساعدات الإنسانية والاحتياجات الأساسية للاجئين الصحراويين كأداة للضغط والابتزاز، في وقت يعانون فيه أصلا من تراجع حاد في الحصص الغذائية ومعدلات مقلقة من سوء التغذية، معتبرا أن أي مسعى لفرض التهجير القسري تحت غطاء الحلول الإنسانية يمثل انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

وأكد أن الجزائر، التي انتزعت استقلالها بفضل تضحيات جسام ونضال طويل من أجل تقرير المصير، لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات الالتفاف على هذا الحق أو أن تكون شريكة في تكريس انحراف خطير عن المبادئ التي قامت عليها منظمة الأمم المتحدة.

وجددت الجزائر، في ختام مداخلتها، تمسكها الثابت بمواصلة العمل من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من الطرفين، يكفل للشعب الصحراوي ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير، طبقا لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة.

وعلى صعيد التحرك الدبلوماسي، يجدر التنويه بالتنسيق الوثيق والتشاور المستمر القائمين بين البعثة الدائمة الجزائرية بنيويورك ونظيرتها الروسية، بهدف التصدي بشكل منسق للتحركات والمناورات التي تقودها البعثة المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، والرامية إلى عرقلة المبادرات الداعمة للقضية الصحراوية، والتأثير على مواقف الوفود، فضلا عن محاولة التشويش على الطابع الأممي والقانوني للأنشطة ذات الصلة بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. 

ويهدف هذا التنسيق إلى إحباط هذه المساعي، والتصدي للمحاولات المغربية الرامية إلى توظيف آليات المنظمة الأممية لخدمة أجندتها السياسية، من خلال التحرك الاستباقي، وتبادل المعلومات والتقييمات، وتوحيد المواقف والتدخلات الدبلوماسية، بما يضمن الحفاظ على المرجعيات الأممية ذات الصلة، وعدم السماح بفرض أي مقاربة أحادية تتعارض مع حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير المصير.