في هذا الحوار الذي خص به "الجزائر 54"، تطرق الخبير في الشؤون الأمنية الدكتور أحمد ميزاب، إلى عودة العلاقات المالية- الجزائرية، وكذلك التحديات التي تواجهها منطقة الساحل، مرورا بسياسة الجزائر التي تنتهجها مع عمقها الإفريقي. وغيرها من الملفات ذات الاهتمام الإفريقي المشترك.

الجزائر 54: بعد عودة العلاقات الجزائرية المالية إلى مسارها الطبيعي بعد قطيعة استمرت 14 شهرا، وذلك بإعادة السفيرين وفتح المجال الجوي بين البلدين، كيف تُقيّمون هذا التحرك الدبلوماسي، وما هي توقعاتكم لمستقبل العلاقات؟

الدكتور أحمد ميزاب: يمكن القول إن عودة العلاقات الجزائرية-المالية إلى مسارها الطبيعي تمثل تطورا إيجابيا ومهما على المستويين الثنائي والإقليمي، بالنظر إلى ما يربط البلدين من حدود مشتركة طويلة ومصالح أمنية وإستراتيجية تفرض استمرار الحوار والتنسيق مهما بلغت حدة الخلافات الظرفية. فإعادة السفيرين وفتح المجال الجوي يعكسان وجود إرادة سياسية متبادلة لتجاوز مرحلة التوتر والانتقال نحو مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية تقوم على تغليب المصالح المشتركة ومواجهة التحديات الراهنة بروح التعاون.

وتدرك الجزائر ومالي أن البيئة الأمنية في منطقة الساحل تشهد تحولات متسارعة، وأن المخاطر المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والاتجار بالمخدرات والهجرة غير النظامية تستدعي تعزيز التنسيق والتشاور المستمر بين دول المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن استئناف العلاقات الدبلوماسية بصورة كاملة يشكل خطوة مهمة نحو إعادة بناء الثقة وتفعيل آليات التعاون التي تخدم أمن واستقرار البلدين.

أما فيما يتعلق بالمستقبل، فإن المؤشرات الحالية توحي بإمكانية عودة تدريجية للتعاون السياسي والأمني، مع فتح آفاق جديدة للشراكة الاقتصادية والتنموية، خاصة في المناطق الحدودية التي تحتاج إلى مشاريع تنموية قادرة على خلق فرص اقتصادية وتعزيز الاستقرار المحلي. كما أن تحسن العلاقات الجزائرية-المالية من شأنه أن ينعكس إيجابا على مجمل المشهد الأمني والإقليمي في منطقة الساحل، التي تواجه تحديات متشابكة تتطلب مقاربات جماعية قائمة على الحوار والتعاون والتكامل بين دول المنطقة.

الجزائر 54: منذ اعتلاء الرئيس تبون سدّة الحكم، كثفت الجزائر من نشاطها الدبلوماسي مع عمقها الإفريقي، وبالأخص إطلاق مشاريع هيكلية، والتي سيكون لها أثر جد إيجابي على شعوب القارة، ما هي نظرتكم لسياسة التكامل الإفريقي هذه، التي تتبناها الدولة الجزائرية؟

أحمد ميزاب: أعتقد أن سياسة التكامل الإفريقي التي تنتهجها الجزائر خلال السنوات الأخيرة تعكس رؤية إستراتيجية بعيدة المدى تقوم على الانتقال من منطق المساعدة الظرفية إلى منطق الشراكة التنموية المستدامة. فمنذ تولي رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مهامه، شهدنا حركية دبلوماسية واقتصادية متزايدة تجاه العمق الإفريقي، انسجاما مع ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية التي تعتبر أن استقرار إفريقيا وتنميتها جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الجزائري.

وفي هذا الإطار، عملت الجزائر على تجسيد هذه الرؤية من خلال مشاريع هيكلية كبرى ذات أبعاد قارية، على غرار الطريق العابر للصحراء ومشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، إلى جانب تطوير المبادلات التجارية وفتح المعابر الحدودية وتعزيز الربط اللوجستي بين الجزائر والدول الإفريقية. فهذه المشاريع لا تقتصر أهميتها على بعدها الاقتصادي فحسب، بل تسهم أيضا في تعزيز الترابط بين الشعوب ودعم التنمية والاستقرار في مختلف مناطق القارة.

كما أن انخراط الجزائر القوي في المبادرات الاقتصادية الإفريقية ودعمها لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية يعكس قناعة راسخة بأن التنمية الاقتصادية والاندماج التجاري يمثلان المدخل الأساسي لتحقيق الأمن والاستقرار ومواجهة مختلف التحديات التي تواجه القارة.

ومن هذا المنطلق، فإن الجزائر لا تنظر إلى إفريقيا باعتبارها مجرد فضاء اقتصادي أو سوق استهلاكية، وإنما كشريك استراتيجي في بناء فضاء إفريقي أكثر تكاملا واستقرارا وسيادة. وهو ما يمنح السياسة الإفريقية الجزائرية بعدا استراتيجيا شاملا يقوم على تحقيق المصالح المشتركة وتعزيز التضامن الإفريقي وترسيخ مقومات التنمية المستدامة على مستوى القارة.

الجزائر 54: أشاد مجلس السّلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، بالجهود التي يبذلها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بصفته نصير الاتحاد الإفريقي لمكافحة الإرهاب والتطرّف العنيف في إفريقيا، مثمّنا قيادته الثابتة في الدفع بأجندة الاتحاد الإفريقي في هذا المجال. مع العلم أن الجزائر عانت من ويلات الإرهاب في تسعينيات القرن الماضي، والذي تم دحره بفضل تضحيات أفراد الجيش الوطني الشعبي ومختلف الأجهزة الأمنية، والوطنيين الأحرار. كما أن للجزائر تجربة فريدة من نوعها في هذا المجال. ما هو قولكم؟

أحمد ميزاب: هذه الإشادة ليست مجاملة سياسية بقدر ما هي اعتراف إفريقي ودولي بتجربة جزائرية أثبتت نجاعتها ميدانيا واستراتيجيا. فالجزائر خاضت خلال مواجهة معقدة ضد الإرهاب، دفعت خلالها ثمنا باهظا من دماء أبنائها ومن مقدراتها الوطنية، لكنها تمكنت من استعادة الأمن والاستقرار بفضل تضحيات الجيش الوطني الشعبي ومختلف الأجهزة الأمنية ومساندة الشعب الجزائري.

ما يميز التجربة الجزائرية أنها لم تعتمد المقاربة الأمنية فقط، بل جمعت بين العمل الاستخباراتي والميداني والتنمية المحلية والمصالحة الوطنية وتجفيف منابع التطرف.

اليوم أصبحت هذه التجربة مرجعا دوليا محل اهتمام العديد من الدول الإفريقية التي تواجه تهديدات إرهابية متزايدة. كما أن اختيار الرئيس عبد المجيد تبون نصيرا للاتحاد الإفريقي لمكافحة الإرهاب يعكس الثقة في قدرة الجزائر على نقل خبرتها والمساهمة في صياغة رؤية إفريقية جماعية لمواجهة هذا الخطر.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في القضاء على الجماعات الإرهابية، بل في معالجة البيئة الهشة التي تسمح بظهورها وانتشارها، وهو ما يتطلب الجمع بين الأمن والتنمية والحكامة الرشيدة.

الجزائر 54: كشفت صحيفة "واشنطن بوست"، نقلا عن مسؤولين أمريكيين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تدرس تنفيذ عملية عسكرية تستهدف عناصر من تنظيم القاعدة في مالي. ووفقا للصحيفة، فإن تنفيذ هذه العملية، في حال إقرارها، سيجعل مالي ثامن دولة يأمر ترامب بشن ضربات عسكرية فيها منذ بداية ولايته الرئاسية الثانية قبل أكثر من عام. بصفتكم خبير مختص في الشؤون الأمنية والإستراتيجية، ما هو تعليقكم؟ وكيف تقرؤون مثل هكذا تحركات؟

أحمد ميزاب: إذا صحت هذه التقارير، فإن الأمر يعكس تحولا في المقاربة الأمريكية تجاه منطقة الساحل، ويؤكد أن التهديد الإرهابي في هذه المنطقة لم يعد يُنظر إليه باعتباره تحديا محليا أو إقليميا فحسب، بل أصبح يُصنف ضمن التهديدات العابرة للحدود ذات التأثير المباشر على الأمن الدولي والمصالح الإستراتيجية للقوى الكبرى.

وهذا ما كنا نتخوف منه وحذرنا منه، وهو أفغنة الأزمة المالية ومنح الضوء الأخضر للتدخل الدولي بعنوان محاربة الإرهاب.

ومن وجهة نظري، فإن أي تحرك عسكري خارجي داخل منطقة الساحل يجب أن يُقرأ في إطارين متلازمين، الأول أمني يتعلق بمحاربة التنظيمات الإرهابية التي استفادت خلال السنوات الأخيرة من حالة الهشاشة الأمنية والسياسية التي تعرفها بعض دول المنطقة، والثاني جيوسياسي يرتبط بإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل فضاء الساحل الإفريقي الذي أصبح محل تنافس متزايد بين القوى الدولية.

لقد أثبتت التجارب السابقة، سواء في أفغانستان أو العراق أو ليبيا أو حتى في منطقة الساحل نفسها، أن الضربات العسكرية قادرة على إضعاف بعض التنظيمات أو تحييد قياداتها، لكنها لا تستطيع بمفردها القضاء على البيئة المنتجة للإرهاب. فالتنظيمات الإرهابية تنمو عادة في ظل ضعف مؤسسات الدولة، وغياب التنمية، واتساع الاقتصاد الموازي، واستمرار النزاعات المحلية والعرقية.

لذلك، فإن المقاربة الجزائرية ظلت ثابتة وواضحة، وتقوم على أن مكافحة الإرهاب لا يمكن اختزالها في البعد العسكري فقط، بل يجب أن تعتمد رؤية شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والحوار السياسي وتعزيز قدرات الدول الوطنية. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر التدخلات الخارجية مهما كانت أهدافها، وإنما من خلال بناء مؤسسات قوية وتمكين الدول الإفريقية من امتلاك أدواتها الذاتية في مواجهة التحديات الأمنية.

كما ينبغي الانتباه إلى أن منطقة الساحل تمثل اليوم عمقا استراتيجيا مباشرا للأمن القومي الجزائري. وأي تطور أمني أو عسكري في هذه المنطقة ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن والاستقرار الإقليميين. ومن هذا المنطلق، تتابع الجزائر كل التحركات الدولية في الساحل انطلاقا من مبدأ أساسي يتمثل في احترام سيادة الدول، ورفض الحلول الأحادية، وتشجيع المقاربات الجماعية التي تمنح الأولوية للمصالح الوطنية لشعوب المنطقة.

وفي تقديري، فإن مستقبل مكافحة الإرهاب في الساحل لن يُحسم عبر الطائرات المسيّرة أو الضربات الجوية فقط، بل عبر كسب معركة التنمية والحوكمة وبناء الدولة الوطنية القادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها. وهذه هي الرؤية التي دافعت عنها الجزائر باستمرار، والتي أثبتت التجربة أنها الأكثر قدرة على تحقيق أمن مستدام واستقرار طويل الأمد في المنطقة.

وفي قراءة أوسع للمشهد، لا يمكن استبعاد وجود أبعاد سياسية وجيوسياسية مرافقة لهذا الطرح، خاصة وأنه يأتي في سياق دولي معقد ما تزال فيه تداعيات المواجهة الأمريكية الإيرانية تلقي بظلالها على الأمن الإقليمي والدولي. وأعتقد من زاوية أخرى غير معلنة أن التركيز على جبهة الساحل الإفريقي قد يساهم في إعادة توجيه الاهتمام نحو ملفات أمنية جديدة، في وقت لا تزال فيه عدة تساؤلات مطروحة بشأن مدى تحقيق الأهداف الإستراتيجية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية في المواجهة مع إيران، لاسيما ما يتعلق بضمان أمن الممرات البحرية الحيوية واستعادة الاستقرار الكامل في منطقة الخليج.على ضوء الحرب مع إيران.

أجرى الحوار: زكرياء حبيبي