تفاعلت عديد وسائل الإعلام الدولية مع تصريح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في لقائه الدوري مع وسائل الإعلام الوطنية، بخصوص ما تتعرض له الشقيقة تونس من مؤامرات تستهدفها وتستهدف الشعب التونسي، ومن خلالها تستهدف المنطقة بأكملها، ولمعرفة تفاصيل ما يحاك من مخططات لضرب استقرار تونس ومن هي الجهات التي تقف وراءها، ارتأت "الجزائر 54" محاورة الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية الدكتور أحمد ميزاب. إليكم الحوار كاملا:

الجزائر 54: في تصريح قوي، أدلى به الرئيس تبون في لقائه الإعلامي مع الصحافة الوطنية، والذي سيبث اليوم، والذي جاء فيه "من يأتي بالإرهاب ليُهدد به تونس سنهدم خيمته"، بصفتكم خبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، هل من تفسيرات بخصوص هذا الموضوع الخطير، وما الذي يحدث بالضبط في تونس؟

أحمد ميزاب: هذا التصريح لا يمكن قراءته باعتباره مجرد موقف سياسي أو رسالة تضامن مع دولة شقيقة، بل هو في تقديري إعلان صريح عن وجود خطوط حمراء استراتيجية وضعتها الجزائر لحماية أمنها القومي خارج حدودها المباشرة. عندما يستخدم رئيس الجمهورية هذه اللغة الحازمة، فهو يتحدث من موقع دولة تمتلك تقديرات أمنية واستخباراتية دقيقة حول طبيعة التهديدات والتحولات الجارية في محيطها الإقليمي.

وما يلفت الانتباه أكثر هو أن الرئيس لم يكتف بتجديد التزام الجزائر بالدفاع عن استقرار تونس، بل مرر في الوقت ذاته رسالة ردع واضحة إلى الجهات التي تقف خلف محاولات العبث بالأمن التونسي. فمضمون الخطاب يوحي بأن الجزائر لم تعد تتعامل مع هذه التحركات على أنها مجرد مؤشرات أو فرضيات، وإنما باعتبارها مسارات مرصودة ومعروفة الأهداف والأدوات. بمعنى آخر، فإن الرسالة التي أراد الرئيس إيصالها هي أن اللعبة أصبحت مكشوفة، وأن الأوراق التي كانت تُدار في الظل أصبحت اليوم فوق الطاولة، وأن الجزائر تتابع بدقة مختلف محاولات الاختراق والتأثير التي تستهدف محيطها الاستراتيجي، وتمتلك من المعطيات ما يسمح لها بتحديد مصادر التهديد واتجاهاته.

ما يحدث في تونس يتجاوز الخلافات السياسية الداخلية أو التجاذبات الحزبية الظرفية لأننا ملتزمون بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها، لكن من جهة أخرى نحن أمام ساحة تتقاطع فيها رهانات إقليمية ودولية متعددة. هناك محاولات مستمرة للتأثير في البيئة السياسية والإعلامية والاقتصادية التونسية بهدف إعادة تشكيل موازين القوى داخل البلاد بما يخدم مشاريع خارجية لا تنظر إلى تونس كدولة فقط، بل كبوابة استراتيجية نحو شمال أفريقيا والساحل والمتوسط.

ومن هذا المنطلق، فإن رسالة الرئيس تعني أن الجزائر تعتبر أمن تونس جزءا لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن أي محاولة لتوظيف الإرهاب أو الفوضى أو أدوات الحرب الهجينة ضد الدولة التونسية ستُقابل بردع مباشر وحازم، لأن سقوط تونس في حالة عدم الاستقرار لن يهدد التونسيين وحدهم، بل سيؤثر على كامل المنظومة الأمنية في المنطقة. كما أن الرسالة تحمل بعدا استباقيا مفاده أن الجزائر لن تنتظر انتقال التهديد من مرحلة الإعداد إلى مرحلة التنفيذ، بل ستتعامل معه منذ لحظة تشكله باعتباره تهديدا مباشرا للأمن القومي المشترك.

في تقديري، ما يجري اليوم في تونس لا يمكن فصله عن أنماط الصراع الجديدة التي أصبحت تعتمد على اختراق الدول من الداخل بدل مواجهتها من الخارج. فالمعركة لم تعد معركة جيوش فقط، بل أصبحت معركة نفوذ وشبكات وتأثير ومال ومعلومات.

لقد أثبتت التجارب الدولية خلال العقدين الأخيرين أن بعض المؤسسات المالية والشبكات الاقتصادية العابرة للحدود لم تعد تؤدي وظائف اقتصادية بحتة، بل أصبحت في حالات كثيرة جزءا من منظومات النفوذ الجيوسياسي التي تستخدم المال كأداة لإعادة تشكيل البيئات السياسية والإعلامية والثقافية داخل الدول المستهدفة. ومن يعتقد أن الصراع الحديث يدار فقط عبر الأجهزة الأمنية والعسكرية فهو يقرأ نصف المشهد فقط.

ما نرصده اليوم في تونس يشير إلى وجود محاولات منظمة لبناء مراكز تأثير موازية داخل المجتمع عبر الإعلام والمنصات الرقمية وبعض دوائر التمويل وشبكات المصالح. والهدف ليس دعم الديمقراطية كما يروج له أحيانا، بل التأثير في اتجاهات القرار الوطني وصناعة بيئة تسمح بتوجيه التحولات السياسية بما يخدم أجندات خارجية محددة.

أما الأطراف التي تراهن على إشعال الفتنة في تونس فهي معروفة من خلال مصالحها وأهدافها وليس بالضرورة من خلال أسمائها المعلنة. فكل جهة تنزعج من التقارب الاستراتيجي الجزائري التونسي، وكل طرف يرى في استقرار تونس عائقا أمام مشاريعه التوسعية أو اختراقاته الإقليمية، هو طرف مستفيد موضوعيا من حالة الاضطراب وعدم الاستقرار.

وفي تقديري، فإن ما يزعج هذه الأطراف تحديدا هو تشكل معادلة جديدة في المنطقة تقوم على تنسيق سياسي وأمني متزايد بين الجزائر وتونس. لأن نجاح هذه المعادلة يعني سقوط رهانات عديدة بُنيت طوال سنوات على استهداف دول المنطقة بشكل منفرد وعزلها عن محيطها الطبيعي.

لذلك فإن ما نشهده ليس مجرد صراع على تونس، بل صراع على مستقبل التوازنات في المغرب العربي بأكمله. ولهذا جاء خطاب الرئيس تبون بهذه الحدة، لأنه يعكس إدراكا بأن بعض الأطراف انتقلت من مرحلة التأثير السياسي التقليدي إلى محاولة صناعة بيئات هشاشة استراتيجية يمكن استثمارها لاحقا في مشاريع أكبر. ومن هنا نفهم أن الرسالة الجزائرية كانت واضحة: الدولة الجزائرية ليست فقط على علم بما يجري، بل تتابع خرائط النفوذ ومسارات التمويل وأدوات التأثير، وتعتبر أن أي استهداف لتونس يدخل مباشرة ضمن دائرة استهداف الأمن القومي الجزائري.

الجزائر 54: تفيد بعض المصادر الموثوقة، أنه تم رصد نشاط مشبوه لبنك مغربي تم اعتماده بتونس، والذي يقوم بتمويل غير مباشر، لمدونيين تونسيين معارضين. هل من معلومات لديكم حول هذا البنك؟

أحمد ميزاب: من خلال قراءتي للمشهد الأمني والإقليمي، أعتقد أن الخطأ يكمن في حصر القضية في بنك أو مؤسسة بعينها، لأن المسألة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام نمط متكامل من التغلغل والتأثير المغربي الذي يستخدم أدوات مالية وإعلامية ورقمية واقتصادية تتحرك في اتجاه واحد، وهو التأثير على البيئة الداخلية التونسية وإعادة تشكيلها بما يخدم أجندات أسياد المخزن وأجندته في إطار استهداف الجزائر.

وعندما نجمع مختلف المؤشرات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، نجد أنفسنا أمام صورة تستحق التوقف عندها بجدية. فهناك حديث متكرر داخل الأوساط التونسية عن شبكات تمويل وتأثير مرتبطة بفاعلين اقتصاديين وماليين أجانب وهنا نتحدث عن المغرب وبنوكه التي تمتلك شبكة تأثير وتغلغل كبيرين في تونس واتهمت سابقا في تبييض أموال الاتجار بالمخدرات في عدد من الدول الأفريقية، وعن دور بعض المنصات الرقمية والمدونين والواجهات الإعلامية في صناعة خطاب موجه يستهدف مؤسسات الدولة التونسية من جهة، ويعمل من جهة أخرى على نقل حالة العداء التي يبنيها المغرب تجاه الجزائر إلى الساحة التونسية.

وفي تقديري، لا يمكن فصل هذه المعطيات عن سياق أوسع يتضمن ملفات المخدرات والجريمة المنظمة وتبييض الأموال وشبكات النفوذ الاقتصادي. فكلما تم الكشف عن قضايا مرتبطة بتهريب المخدرات نحو تونس أو بعمليات مشبوهة عابرة للحدود أو بمحاولات التأثير في الرأي العام، يظهر اسم المغرب بشكل متكرر في النقاشات والتحليلات التي يقدمها عدد من المتابعين والخبراء التونسيين.

كما أن السؤال الذي أصبح يطرح داخل تونس نفسها لم يعد يتعلق بوجود محاولات للتأثير من عدمها، بل يتعلق بطبيعة الأهداف التي يراد تحقيقها من وراء هذا النشاط المتشعب.

وهنا أرى أن الهدف الحقيقي يتجاوز الساحة التونسية في حد ذاتها. فهناك من ينظر إلى تونس باعتبارها الخاصرة الاستراتيجية للجزائر والبوابة التي يمكن من خلالها التأثير على محيطها الأمني والسياسي.

ومن هذا المنطلق، أعتقد أن بعض الأطراف الإقليمية، وفي مقدمتها المغرب، تراهن على تحويل تونس إلى ساحة متقدمة في الحرب القذرة التي تشنها ضد الجزائر. ليس عبر المواجهة المباشرة، وإنما عبر أدوات الحرب الهجينة التي تعتمد على المال والإعلام والتأثير الرقمي وشبكات المصالح والاختراق الناعم للمجتمعات.

وعندما نتحدث عن تمويل مدونين أو منصات إعلامية أو شبكات تأثير رقمية، فإن القضية لا تتعلق بأشخاص بعينهم، بل بمحاولة بناء بيئة إعلامية ونفسية قادرة على توجيه الرأي العام وصناعة الاستقطاب وإضعاف الثقة بين الشعوب والدول المتجاورة. وهذا ما يفسر محاولات متكررة لإثارة التوتر بين الجزائريين والتونسيين رغم أن العلاقات بين الشعبين ظلت تاريخيا عصية على الاختراق.

وفي تقديري، فإن الأطراف التي تراهن على إشعال نار الفتنة في تونس هي نفسها الأطراف التي تنزعج من أي تقارب استراتيجي بين الجزائر وتونس، لأن هذا التقارب يشكل حاجزا أمام مشاريع النفوذ التي تستهدف المنطقة. فاستقرار تونس يعني استقرار الجبهة الشرقية للجزائر، ويعني كذلك سقوط رهانات كثيرة بُنيت على إضعاف دول المنطقة بشكل منفرد وعزلها عن بعضها البعض.

الجزائر 54: ما هي الأهداف التي يوّد تحقيقها من يُريد زعزعة أمن واستقرار الجارة تونس؟ وما هي رسالتكم التي تودون إيصالها للطبقة المثقفة والأكاديمية في تونس؟

أحمد ميزاب: الهدف الحقيقي ليس تونس في حد ذاتها، بل موقعها ومن هنا اقصد الجزائر ودورها ووظيفتها الجيوسياسية. من يريد زعزعة استقرار تونس يسعى إلى تحقيق عدة أهداف متداخلة.

أولا، إضعاف الدولة الوطنية وإرباك مؤسساتها السيادية.

ثانيا، تعطيل أي مشروع للتكامل والتنسيق الاستراتيجي بين دول المنطقة وأقصد هنا الجزائر وتونس.

ثالثا، تحويل تونس إلى ساحة نفوذ مفتوحة أمام التدخلات الخارجية وضرب الاستقرار الإقليمي ومنه تفجير الوضع في ليبيا والمنطقة ككل.

رابعا، إبعادها عن محيطها الطبيعي وإدخالها في حالة استنزاف سياسي واقتصادي وأمني طويل الأمد.

خامسا، خلق بيئة فوضوية تسمح بإعادة رسم التوازنات الإقليمية بما يخدم مصالح قوى خارجية.

أما رسالتي إلى النخب الأكاديمية والمثقفين في تونس فهي أن المرحلة الحالية تفرض قدرا عاليا من الوعي الاستراتيجي. فالتاريخ أثبت أن الدول لا تُستهدف دائما عبر الجيوش، بل تُستهدف أولا عبر العقول، وعبر صناعة الانقسام، وضرب الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وتحويل الاختلافات السياسية الطبيعية إلى صراعات وجودية.

إن مسؤولية النخب اليوم ليست فقط إنتاج المعرفة أو إدارة النقاش العمومي، بل المساهمة في حماية الدولة الوطنية من الاختراقات الفكرية والإعلامية والمالية التي تستهدف تماسكها. فاستقرار تونس ليس شأنا تونسيا داخليا فقط، بل يمثل ركيزة أساسية لاستقرار شمال أفريقيا بأكمله. ولذلك فإن الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها وسيادتها يجب أن يبقى فوق كل الاعتبارات السياسية والظرفية، لأن الدول عندما تفقد استقرارها تصبح جميع الأطراف خاسرة، بينما تكون القوى المتربصة هي المستفيد الوحيد.

أجرى الحوار: زكرياء حبيبي