شهدت الجزائر في السنوات الأخيرة انفتاحا غير مسبوق في قطاع الإعلام، والذي تدّعم بعشرات المنابر الإعلامية بمختلف أشكالها. واعتمدت الجزائر على ترسانة قانونية جديدة لتنظيم القطاع، وثمرة لسياسة السلطات العليا في البلاد، كذلك، شهد القطاع ولادة منظمات تعني بالدفاع عن حقوق الصحفيين والمهنيين، ومنها المنظمة الوطنية للصحفيين الجزائريين. ونظرا للدور الذي تلعبه، حاورت الجزائر54 رئيسها الزميل الصحفي سليمان عبدوش. وهذه هي الأجوبة.

الجزائر54: تأسست المنظمة الوطنية للصحفيين الجزائريين بهدف الدفاع عن حقوق الصحفيين، وترقية العمل الإعلامي، والمساهمة في تحسين الظروف الاجتماعية والمهنية للإعلاميين، ما هي الأهداف التي تم تحقيقها؟ وكيف تُقيّمون ما تم إنجازه؟

رئيس المنظمة سليمان عبدوش: منذ تأسيس المنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين، وضعنا نصب أعيننا مجموعة من الأهداف الواضحة، في مقدمتها الدفاع عن حقوق الصحافيين، وتحسين ظروفهم المهنية والاجتماعية، وترقية الممارسة الإعلامية، وتعزيز روح التضامن بين أفراد الأسرة الإعلامية.

ويمكنني القول اليوم، بكل موضوعية، إننا حققنا خطوات مهمة في هذا المسار، رغم أن الطريق لا يزال طويلا. أول إنجاز نعتبره بالغ الأهمية هو أننا استطعنا أن نجعل المنظمة فضاءً يجمع الأسرة الإعلامية بمختلف مكوناتها. فالصحافي أصبح ينظر إلى المنظمة باعتبارها بيته المهني ولسان حاله، يعبر من خلالها عن انشغالاته وتطلعاته، ويلجأ إليها عندما يواجه صعوبات مهنية أو اجتماعية. وهذا في حد ذاته مكسب كبير، لأن العمل النقابي والمهني لا يمكن أن ينجح دون ثقة المنخرطين فيه.

كما نجح المكتب التنفيذي الوطني في معالجة عدد معتبر من الملفات التي طرحها الزملاء، سواء تعلق الأمر بحالات الطرد التعسفي، أو تأخر صب الأجور، أو مشكلات الضمان الاجتماعي والتأمين، أو بعض التجاوزات التي مست الحقوق المهنية داخل عدد من المؤسسات الإعلامية.

وبفضل الحوار والمساعي الهادئة والمسؤولة مع مختلف الجهات، تمكنا من إيجاد حلول لعدد من هذه القضايا، مع الإشارة إلى أن هناك ملفات تعالج في إطار من السرية احتراما لأصحابها، ولذلك لا يمكن الحديث عن كل ما تم إنجازه في هذا الجانب.

إلى جانب ذلك، حرصت المنظمة على أن تكون حاضرة في مختلف القضايا التي تهم الصحافيين، سواء من خلال اللقاءات الدورية، أو الندوات، أو تقديم المقترحات المتعلقة بتطوير القطاع الإعلامي، وهو ما عزز مكانتها كشريك جاد ومسؤول في الساحة الإعلامية الوطنية.

أما فيما يتعلق بالتقييم، فنحن نعتبر أن الحصيلة المحققة إلى غاية اليوم إيجابية جدا، بل ويمكن القول إنها تجربة غير مسبوقة في تاريخ التنظيمات المهنية الخاصة بالصحافيين في الجزائر من حيث الحركية والاقتراب من انشغالات الميدان. ومع ذلك، فإننا لا ندعي أننا حققنا كل شيء، لأن تطلعات الصحافيين مشروعة وأكبر بكثير مما أُنجز، ونحن نتفهم ذلك تماما..

ومن هذا المنبر، أجدد التأكيد أن المكتب التنفيذي الوطني سيواصل تنفيذ البرنامج السنوي الذي صادقت عليه الجمعية العامة العادية الثانية، بكل التزام ومسؤولية، وسنعمل على تحقيق المزيد من المكاسب، والدفاع عن حقوق الصحافيين، وتحسين ظروفهم، بما ينسجم مع الأهداف التي تأسست من أجلها المنظمة.

الجزائر54: أولت السلطات العليا في البلاد أهمية قصوى لقطاع الإعلام في السنوات الأخيرة، والتي شهدت ولادة عديد المنابر الإعلامية، سواء في الفضاء الإلكتروني أو السمعي البصري. ما هو رأيكم؟ وكيف تنظرون للأداء الإعلامي، من حيث حملات التوعية ومحاربة الأخبار الكاذبة، وكذلك مواجهة الحملات المغرضة التي تستهدف بلادنا؟

سليمان عبدوش: لا شك أن ما يشهده القطاع الإعلامي في الجزائر خلال السنوات الأخيرة من ظهور مؤسسات إعلامية جديدة، يعد مؤشرا إيجابيا يعكس ديناميكية يشهدها المشهد الإعلامي الوطني. ونحن في المنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين نثمّن هذا التوجه، لأنه يعزز التعددية الإعلامية، ويفتح المجال أمام أصوات جديدة وتجارب إعلامية متنوعة تثري الساحة الوطنية.

وفي الوقت نفسه، نرى أن هذا المسار يحتاج إلى مواصلة الانفتاح، من خلال تشجيع إنشاء مؤسسات إعلامية جديدة، وفق معايير مهنية واضحة، بما يضمن المنافسة الإيجابية والارتقاء بجودة المحتوى الإعلامي، لأن تنوع المنابر الإعلامية يشكل قيمة مضافة لأي مجتمع يسعى إلى تطوير منظومته الإعلامية.

أما فيما يتعلق بمواجهة الأخبار الكاذبة والمضللة، فإن الإعلام الوطني يبذل جهودا معتبرة، خاصة العديد من المواقع الإلكترونية والمنابر الإعلامية التي أصبحت تتحرى الدقة وتعمل على تفنيد الإشاعات وتصحيح المعلومات المغلوطة. غير أن حجم التحديات أصبح أكبر، خاصة في ظل التطور السريع لوسائل الاتصال ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تسمح بانتشار الأخبار الزائفة في وقت قياسي.

ومن هذا المنطلق، فإننا في المنظمة نؤكد أن مواجهة التضليل الإعلامي لا تكون فقط بحسن النية أو بالاجتهاد الفردي، وإنما تحتاج إلى تكوين متخصص ومستمر للصحافيين. نحن لا نتحدث عن أيام تكوينية محدودة، وإنما عن برامج تكوين حقيقية، تؤطرها هيئات وطنية ودولية معترف بخبرتها، في مجالات التحقق من الأخبار، والصحافة الرقمية، والأمن السيبراني، والتحقيق في المحتوى الرقمي.

كما نرى أن من الضروري تفعيل سياسة التكوين داخل المؤسسات الإعلامية، تحت إشراف الوزارة الوصية وبالتنسيق مع مختلف الفاعلين، حتى يمتلك الصحافي الأدوات الحديثة التي تمكنه من مواجهة الحملات الإعلامية الموجهة.

ولا يخفى على أحد أن الجزائر تتعرض في السنوات الأخيرة لحملات إعلامية ممنهجة تستهدف مؤسساتها ومواقفها وسيادتها، تقودها أطراف معروفة بعدائها لبلادنا، وفي مقدمتها المخزن المغربي والكيان الصهيوني وبعض الجهات الأخرى. ولذلك فإن تعزيز الإعلام الوطني، ورفع كفاءة الصحافيين، وتطوير أدوات التحقق من المعلومات، أصبح اليوم جزء من الأمن الإعلامي الوطني، وهو ما يستوجب تضافر جهود الجميع.

الجزائر54: عُرف عنكم مواكبة الاستحقاقات الوطنية الكبرى من خلال تنظيم ندوات وتوجيه نداءات للأسرة الإعلامية، ما هي مشاريعكم المستقبلية؟

سليمان عبدوش: منذ تأسيس المنظمة، التزمنا بأن نكون حاضرين في كل المحطات الوطنية الكبرى، سواء من خلال تنظيم الندوات واللقاءات، أو إصدار البيانات والنداءات التي تدعو إلى الالتزام بأخلاقيات المهنة وترسيخ الإعلام المسؤول، لأننا نؤمن بأن الصحافة شريك أساسي في مرافقة مختلف الاستحقاقات الوطنية.

وبخصوص مشاريعنا المستقبلية، فإننا نعمل حاليا على التحضير لتنظيم جامعة صيفية للصحافيين، تكون فضاء علميا ومهنيا للنقاش والتكوين وتبادل الخبرات، ونرغب في أن يكون موضوعها الأساسي مرتبطا بأحد أكبر التحديات التي تواجه الإعلام اليوم، وهو ظاهرة الأخبار الكاذبة والمضللة، وكيفية تعزيز السردية الوطنية القائمة على الحقائق والوقائع، في مواجهة السرديات المغرضة التي تستهدف صورة الجزائر.

ونطمح إلى أن تعرف هذه الجامعة مشاركة نخبة من الأساتذة الجامعيين، والخبراء المختصين، والصحافيين المهنيين من داخل الجزائر وخارجها، حتى يستفيد المشاركون من تجارب متنوعة وخبرات نوعية، بما ينعكس إيجاباً على الأداء الإعلامي الوطني.

كما ندرس إمكانية إنشاء خلية متخصصة داخل المنظمة، تتولى رصد وتحليل المحتويات الإعلامية المضللة، والعمل على توضيح الحقائق للرأي العام، عبر تقارير ودراسات وبيانات مهنية، بما يساهم في تعزيز الوعي الإعلامي، ودعم الصحافي بالمعلومة الدقيقة، وترسيخ ثقافة التحقق من الأخبار.

وسنواصل أيضا تنظيم الأيام الدراسية والدورات التكوينية، وإبرام شراكات مع الجامعات والمؤسسات الوطنية والدولية، لأننا نؤمن بأن الاستثمار الحقيقي في الإعلام يبدأ بالاستثمار في تكوين الصحافي وتطوير كفاءاته.

الجزائر54: منذ تأسيس المنظمة، سعيتم لتوفير امتيازات لمنتسبيها، مثل الشراكات الموقعة مع متعاملي الهاتف النقال وغيرها من الاتفاقيات، هل من تفاصيل أكثر في هذا الجانب، وما هي مشاريعكم المستقبلية؟

سليمان عبدوش: منذ البداية، كان من بين أولويات المكتب التنفيذي الوطني أن لا يقتصر دور المنظمة على الدفاع عن الحقوق المهنية فقط، وإنما أن يمتد أيضا إلى تحسين الظروف الاجتماعية للصحافيين، من خلال توفير امتيازات وخدمات ملموسة يستفيد منها المنخرطون وأفراد عائلاتهم. وفي هذا الإطار، نجحنا في توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة مع مؤسسات وطنية، من بينها اتفاقية مع اتصالات الجزائر، التي توفر امتيازات خاصة في خدمات الإنترنت لفائدة أعضاء المنظمة، إضافة إلى الاتفاقية المبرمة مع مؤسسة "جازي"، والتي تمنح المنخرطين مجموعة من الامتيازات في خدمات الهاتف والإنترنت وفق صيغ تفضيلية.

كما أود التذكير بالاتفاقية التي تم توقيعها مع وزارة السياحة، والتي تهدف إلى تمكين الصحافيين وذوي حقوقهم من الاستفادة من امتيازات وتخفيضات على مستوى المؤسسات الفندقية والسياحية والحموية التابعة للقطاع العمومي. غير أن هذه الاتفاقية، ولأسباب إجرائية، لم تدخل حيز التنفيذ بالشكل الذي كنا نطمح إليه.

ومن هذا المنبر، نجدد دعوتنا إلى السيدة وزيرة السياحة والصناعة التقليدية للعمل على إيجاد الآليات المناسبة لتفعيل هذه الاتفاقية في أقرب الآجال، لأنها تنسجم تماما مع توجيهات السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الرامية إلى تشجيع السياحة الداخلية، خاصة السياحة العائلية، كما أنها ستشكل دعما اجتماعيا مهما لفائدة الأسرة الإعلامية.

وفي السياق نفسه، نبشر الزملاء بأن المنظمة تجري حاليا مشاورات متقدمة مع الخطوط الجوية الجزائرية من أجل التوصل إلى اتفاق يمنح أعضاء المنظمة امتيازات في مجال النقل الجوي، ونأمل أن تتكلل هذه المساعي بالنجاح قريبا.

كما أن العمل لا يتوقف عند هذه الاتفاقيات، بل نسعى إلى إبرام شراكات جديدة مع البنوك، وشركات التأمين، والمؤسسات الصحية، والجامعات، ومؤسسات التكوين، وغيرها من الهيئات التي يمكن أن تقدم قيمة مضافة للصحافي الجزائري.

وفي الأخير، أؤكد أن تحقيق المزيد من المكاسب يتطلب التفاف الأسرة الإعلامية حول منظمتها، لأن قوة أي تنظيم مهني تقاس بمدى تماسك أعضائه ووحدتهم. وستبقى المنظمة الوطنية للصحافيين الجزائريين مجندة للدفاع عن الصحافي الجزائري، وخدمة الإعلام الوطني، وترقية الممارسة الصحفية، بما يخدم الجزائر ومؤسساتها ومواطنيها.

حاوره: زكرياء حبيبي