تضع فضيحة مالية بقيمة 154ر2 مليون يورو، تلاحق رئيس الحكومة الفرنسية السابق إدوارد فيليب، منظومة تسيير المال العام في فرنسا في قلب الانتقادات، على خلفية تجاوزات شابت إسناد مشروع بمدينة لوهافر، شمال غرب البلاد، وسط غياب المنافسة وتضارب المصالح، في وقائع تناقض ادعاءات المؤسسات الفرنسية بشأن النزاهة والشفافية.

وفي تطور جديد للقضية، أفاد الإعلام الفرنسي، اليوم الجمعة، بأنه تم الاستماع لفيليب أمس الخميس، من طرف قاضيين مختصين في التحقيقات المالية، ووضع تحت صفة "شاهد بمساعدة قضائية"، في إطار تحقيق يتناول وقائع تتعلق باختلاس الأموال العمومية والمحسوبية ومضايقات نفسية ممنهجة داخل تجمع لوهافر الحضري الذي يرأسه.

وتعود تفاصيل القضية، بحسب المصادر، إلى 30 يوليو 2020، حين وقع فيليب، بصفته رئيس تجمع لوهافر الحضري، اتفاقية تمتد لأربع سنوات مع جمعية "LH French Tech"، التي كانت تترأسها ستيفاني دو بازيلير، لتولي تسيير وتنشيط مشروع "المدينة الرقمية"، مقابل تعويض من الأموال العمومية بقيمة 154ر2 مليون يورو.

وفي مؤشر آخر على الاختلالات التي أحاطت بالعملية، أوضحت وسائل الإعلام الفرنسية أن الجمعية كانت المترشح الوحيد عقب إطلاق دعوة لإبداء الاهتمام في مارس 2020، بينما كانت دو بازيلير تجمع بين رئاسة الجمعية المستفيدة ومنصب نائبة رئيس التجمع الحضري المكلفة بالابتكار والرقمنة، فضلا عن عضويتها في المجلس المجتمعي، بما وضعها في موقع تتداخل فيه المسؤولية السياسية مع المصلحة المرتبطة بالتمويل.

ولم تقتصر تداعيات هذه الترتيبات على طريقة إسناد المشروع، بل امتدت إلى مصير الأموال المخصصة له، إذ أفادت التقارير الإعلامية بأن تجمع لوهافر الحضري قرر فسخ الاتفاقية في مارس 2022، بعدما دفع للجمعية 15ر1 مليون يورو، على خلفية تدهور وضعيتها المالية، قبل أن تخضع للتسوية القضائية في أكتوبر من السنة نفسها، ثم التصفية القضائية سنة 2023.

وتكشف هذه الحصيلة حجم الإخفاق والتلاعب في تسيير التمويلات العمومية، إذ انتهى المشروع إلى انهيار الجمعية المكلفة بتنفيذه، بعدما استهلكت أكثر من مليون يورو من المال العام، في وقت كانت فيه التحذيرات من المخاطر القانونية وتضارب المصالح مطروحة قبل تفاقم الأزمة.

وفي هذا الصدد، أشارت التقارير إلى أن كورنيليا فيندايزن، المديرة العامة المساعدة السابقة للتجمع الحضري، تقدمت بشكويين، الأولى سنة 2023 والثانية في يونيو 2025، تتهم فيهما فيليب ودو بازيلير بإبرام اتفاق يقوم على توفير دعم سياسي ومالي وعلاقات عامة مقابل إسناد تسيير "المدينة الرقمية" إلى الجمعية التي ترأسها.

والأكثر خطورة، وفق المصادر ذاتها، أن تحذيرات بشأن المخاطر القانونية للتركيبة المعتمدة وتضارب المصالح صدرت منذ 2019 و2020، غير أنها لم تؤد إلى مراجعة آلية إسناد المشروع، كما وجهت مذكرة بشأن هذه الاختلالات إلى فيليب في سبتمبر 2022، في وقت كانت فيه الجمعية قد تلقت بالفعل أكثر من مليون يورو من التمويل العمومي.

وفي تطور يعزز أبعاد القضية، كشفت وسائل الإعلام الفرنسية أن جمعية مكافحة الفساد "أنتيكور" تأسست في 20 أكتوبر الجاري طرفا مدنيا، في خطوة تستند إلى ما اعتبرته تجاوزات لقواعد الصفقات العمومية، وما رافق إسناد المشروع من تداخل للمصالح وتجاهل للتحذيرات السابقة.

وتضع هذه الوقائع الممارسات داخل المؤسسات الفرنسية أمام سجل ثقيل من التناقضات، حيث تخصص ملايين اليوروهات من أموال دافعي الضرائب في ظروف تغيب عنها المنافسة الفعلية وتتداخل فيها المصالح السياسية مع المستفيدين من التمويل، ثم تنتهي العملية بانهيار الجمعية وضياع جزء معتبر من الأموال العمومية، في صورة تفضح استغلال المسؤولية العامة وتكشف الهوة بين خطاب فرنسا عن الشفافية والحوكمة وواقع تسيير مؤسساتها.