نادية/ م

في الوقت الذي اعتقدت فيه ألسنة اللهب أنها قادرة على التهام رئة الجزائر الخضراء، وتحويل غابات عدة ولايات إلى رماد، استيقظت في عروق الجزائريين تلك الروح الاستثنائية التي لا تظهر إلا في الأوقات العصيبة.

لم تكن مجرد حملة لإطفاء الحرائق، بل كانت ملحمة وطنية خضراء تلاحمت فيها البدلات العسكرية والمدنية لتشكّل جدارا منيعا أطفأ اللهيب وحمى الوطن.

منذ اللحظات الأولى لاندلاع النيران، كان جنود الواجب في الخطوط الأمامية، حيث تحولت الغابات والمداشر إلى ساحات معارك حقيقية ضدّ الحرائق، فالجيش الوطني الشعبي دفع بكامل ثقله، مسخرا مروحيات الإطفاء الضخمة ووحداته البرية لفتح المسالك الجبلية الوعرة وإنقاذ العائلات المحاصرة، ووقف رجال الحماية المدنية في مواجهة النار، يصارعون الدخان لساعات طويلة، كما أمّن رجال الدرك والأمن الطرقات وسهّلوا عمليات الإجلاء، وشكّلوا أحزمة أمان لحماية الممتلكات والأرواح .

ولم يقف المواطنون موقف المتفرج، بل هبّ الشباب من كلّ حدب وصوب محملين بوسائل الإطفاء التقليدية والصهاريج مخاطرين بأنفسهم جنبا إلى جنب مع أعوان الأمن والجيش، وتحركت قوافل التضامن المحملة بالمؤن والأدوية والمياه من مختلف ولايات الوطن نحو المناطق المتضررة، في مشهد يثبت مجددا أن الجسد الجزائري إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والتضامن.

لم تكن مجرّد نيران التهمت أشجار الزيتون والصنوبر في قمم جبال ولاياتنا، بل كانت اختبارا حقيقيا لصلابة أمة في مواجهة حرائق الغابات المهولة التي اجتاحت عدة ولايات، أين تلاشت المسافات والرتب والمهن، وتوحدت السواعد في جبهة داخلية واحدة، لترسم لوحة تضامنية استثنائية .

وفي الوقت الذي كانت فيه العائلات تبحث عن ملاذ آمن، كان رجال الحماية المدنية يتقدمون بثبات نحو جحيم النيران، مدعومين بمهندسي الأجواء من طياري القوات الجوية التابعة للجيش الوطني الشعبي، فيما لم يقتصر دور وحدات الجيش على الإنزال الجوي وإخماد البؤر المستعصية، بل فتحوا المسالك وأجلوا العائلات المحاصرة، مؤكدين مرة أخرى على رابطة "جيش-أمة".

قوات الدرك الوطني والأمن الوطني شكلت صمام أمان حقيقي، إذ تولى رجال البدلات الخضراء والزرقاء تنظيم حركات المرور وتسهيل وصول أرتال الدعم، وتأمين الممتلكات التي هجرها أصحابها هربا من النيران، بالإضافة إلى مساهمتهم المباشرة في عمليات الإجلاء وتقديم الإسعافات الأولية للمصابين بالاختناق.

الشباب بدوره، هبّ من مختلف الأعمار ومن ولايات مجاورة، وشدّوا الرحال نحو قمم الجبال المحترقة، ولم تمرّ ساعات قليلة على اندلاع الحرائق حتى انطلقت شاحنات محملة بالمساعدات الغذائية، الأدوية والأفرشة من كلّ حدب وصوب، لتثبت الجزائر مجددا أن تلاحم شعبها وقت الأزمات هو خطّ الدفاع الأقوى.

النيران التهمت الهكتارات، لكنها عجزت عن التهام معنويات الجزائريين، وكانت هذه الملحمة الإنسانية تجديدا لعهد التلاحم الوطني، كما أثبتت هذه الأزمة أن المعدن الحقيقي للشعب الجزائري ومؤسساته الأمنية والعسكرية لا يزداد إلا بريقا في المحن. هم رجال أثبتوا للعالم أن الجزائر عصية الانكسار، وأن التلاحم بين الشعب وجيشه وأمنه هو الحصن الأبدي لهذا الوطن.