يكرس المغرب موقعه كملاذ للمجرمين الفارين من العدالة الأوروبية، بعدما تحولت أراضيه إلى وجهة لمطلوبين متورطين في شبكات الحشيش والكوكايين وتبييض الأموال، حيث يجد بعضهم منفذا لإعادة بناء نفوذهم والاستمتاع بعائدات الجريمة بعيدا عن قبضة القضاء الأوروبي، في مشهد يضع المخزن في صلب الانتقادات بشأن حماية بيئة تسمح للجريمة المنظمة العابرة للحدود بإعادة إنتاج نفسها.

وتتجسد هذه الصورة مجددا، حسب ما أوردته وسائل إعلام محلية أمس الاثنين، في قضية أنس العزوزي، بعدما قضت محكمة الاستئناف في أنتويرب البلجيكية بسجنه لمدة 10 سنوات، إثر إدانته بتنفيذ عملية إطلاق نار مرتبطة بأوساط الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات.

وأدانت المحكمة العزوزي، البالغ من العمر 29 عاما، باعتباره الشخص الذي أطلق النار ثلاث مرات على عناصر مغربية متورطين في شبكات الاتجار بالمخدرت العابرة للحدود، في منطقة بورغيرهاوت بمدينة أنتويرب، في اعتداء ارتبط بخلافات داخل أوساط الجريمة المنظمة.

لكن خيوط القضية سرعان ما تجاوزت الحدود البلجيكية، بعدما فر العزوزي إلى المغرب سنة 2015، في وقت كانت فيه القضية لا تزال أمام القضاء البلجيكي. وفي يناير 2016، أوقفته السلطات المغربية، قبل أن تقضي محكمة مغربية بسجنه لمدة 10 سنوات على خلفية القضية نفسها، في خطوة وفرت له عمليا غطاء قضائيا داخل المغرب وأدخلت الملف في متاهة قانونية حالت دون أن تكون ملاحقته من جانب القضاء البلجيكي أمرا مباشرا.

وبينما بقي العزوزي رهن الاعتقال في المغرب، ظل القضاء البلجيكي يواجه إشكالية قانونية تتعلق بإمكانية محاكمته مجددا عن الأفعال نفسها، قبل أن تعود القضية إلى الواجهة أمام محكمة الاستئناف في أنتويرب.

ومن هنا، برزت أمام القضاء البلجيكي إشكالية قانونية تتعلق بمبدأ عدم محاكمة الشخص أو إدانته مرتين عن الأفعال نفسها، غير أن محكمة الاستئناف في أنتويرب اعتبرت أن هذا المبدأ لا يحول دون إصدار الحكم الجديد، موضحة أنها لم تكن تتوفر رسميا على معلومات تثبت صدور إدانة قضائية نهائية في المغرب بحق العزوزي.

غير أن الجانب الأكثر إثارة في مسار العزوزي كان ما حدث خلال فترة وجوده في المغرب، إذ ظهر عبر مواقع التواصل الاجتماعي مستمتعا بحياة مترفة، رغم كونه مطلوبا في بلجيكا على خلفية قضية جنائية خطيرة. فقد نشر صورا من مدينة طنجة ونشر تعليقات ساخرة تجاه القضاء البلجيكي.

وبذلك، تحولت قضية العزوزي من مجرد ملف إطلاق نار في أنتويرب إلى نموذج جديد على الصعوبات التي تواجهها العدالة الأوروبية عندما تعبر خيوط الجريمة الحدود وينتقل المطلوبون إلى بيئات يستطيعون فيها مواصلة حياتهم بعيدا عن الدولة التي تلاحقهم. وتتضح الصورة أكثر مع الشقيقين علي ومحمد أشوخ، إذ أصدرت محكمة الاستئناف في أنتويرب بحقهما أحكاما بالسجن لمدة 14 سنة، بعدما اتهمتهما بالوقوف وراء إصدار الأمر بتنفيذ إطلاق النار. 

غير أن الشقيقين اختفيا، ما دفع المحكمة إلى إصدار مذكرتي بحث واعتقال دوليتين بحقهما، لتنتقل المطاردة بذلك من قاعة المحكمة إلى ما وراء الحدود البلجيكية. ولا تقف أهمية القضية عند واقعة إطلاق النار، فارتباطها بأوساط الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات يضعها ضمن عالم أكثر اتساعا تتقاطع فيه تجارة الحشيش والكوكايين مع العنف وتبييض الأموال و إعادة ضخ العائدات الإجرامية في الدورة الاقتصادية.

ولا تبدو قضية العزوزي حالة معزولة، فإلى جانبها تبرز قضية المغربي زكريا رحالي، المطلوب للعدالة النرويجية منذ عام 2017، والمتهم بالارتباط بإدخال نحو 250 كيلوغراما من الكوكايين و5.7 أطنان من القنب إلى النرويج، قبل أن يفر إلى المغرب، حيث يواصل حياة مترفة بعيدا عن قبضة العدالة، في واقعة تعيد طرح المغرب كوجهة يجد فيها مطلوبون في قضايا المخدرات العابرة للحدود ملاذا امنا ومساحة للإفلات من الملاحقة الأوروبية.

وهكذا، تكشف قضية العزوزي وغيرها مجددا أن المغرب لا يظهر في هذه الملفات كملاذ عابر لمطلوبين، بل كفضاء يجد فيه بعض المتورطين في الجريمة المنظمة فرصة للإفلات من الملاحقة وإعادة بناء نفوذهم، في مشهد يضع المخزن أمام مسؤولية ثقيلة بشأن بيئة تسمح للمخدرات وتبييض الأموال والعائدات الإجرامية بمواصلة شق طريقها بعيدا عن قبضة العدالة.