قال الدكتور موسى بودهان، الخبير في القانون الدستوري، أن المشرّع الجزائري وضع منظومة من الآليات القانونية لتنظيم تمويل الحملات الانتخابية، وضبط مصادر الأموال ومراقبة أوجه إنفاقها، بما يضمن شفافية العملية الانتخابية ويحول دون توظيف الأموال غير المشروعة للتأثير في المنافسة بين المترشحين. وأوضح أن هذه المنظومة تتضمن، إلى جانب القواعد العامة للتمويل والرقابة، تدابير خاصة لتشجيع الشباب على خوض غمار المنافسة الانتخابية، من خلال مساهمة الدولة في بعض نفقات حملاتهم الانتخابية.

الجزائر 54: يشكل تمويل الحملات الانتخابية أحد الجوانب الأساسية لضمان نزاهة العملية الديمقراطية. بداية، ما الإطار القانوني الذي ينظم هذا الجانب في الجزائر، وما الفلسفة التي يقوم عليها؟

الدكتور بودهان: لا يمكن النظر إلى تمويل الحملات الانتخابية باعتباره مجرد عملية مالية مرتبطة بتوفير الموارد للمترشحين، وإنما هو جزء أساسي من ضمان شفافية العملية الانتخابية وشرعيتها. وقد أحاط المشرّع الجزائري هذا الجانب بجملة من الأحكام والضوابط الدستورية والقانونية، لا سيما ما ورد في الأمر 21-01 المتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، المعدل والمتمم، من خلال القانون العضوي 26-05. وتقوم هذه الأحكام على مبدأ أساسي يتمثل في ضرورة أن يكون تمويل الحملة الانتخابية مشروعاً، وأن تكون مصادر الأموال معلومة، وأن تخضع مختلف العمليات المالية للرقابة، سواء تعلق الأمر بالإيرادات أو بالنفقات. والغاية من ذلك هي حماية العملية الانتخابية من كل أشكال التمويل غير المشروع، وضمان منافسة قائمة على احترام القانون، بما يسمح في النهاية بإفراز مؤسسات منتخبة تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية ومن الشرعية الدستورية والقانونية.

الجزائر 54: بالعودة إلى الجانب العملي، ما هي مصادر التمويل التي يسمح بها القانون للمترشحين، وهل ترك المشرّع المجال مفتوحاً أمام مختلف أشكال المساهمات المالية؟

الدكتور بودهان: حددت المادة 87 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات مصادر تمويل الحملة الانتخابية بصورة واضحة، ولم تترك المجال مفتوحاً أمام أي مصدر كان. وتتمثل هذه المصادر أساساً في مساهمات الأحزاب السياسية، المتأتية من اشتراكات أعضائها والمداخيل الناتجة عن نشاط الحزب، إضافة إلى المساهمة الشخصية للمترشح، والهبات النقدية أو العينية التي يقدمها المواطنون بصفتهم أشخاصاً طبيعيين.

كما أقر المشرّع إمكانية منح مساعدات من الدولة للمترشحين الشباب ضمن القوائم المستقلة، فضلاً عن إمكانية تعويض جزء من نفقات الحملة الانتخابية وفق الشروط والكيفيات المحددة قانوناً. وبالتالي، فإن تعدد مصادر التمويل لا يعني غياب الضوابط، بل إن كل مساهمة مالية يجب أن تكون معلومة المصدر، وأن تخضع للإجراءات القانونية المتعلقة بالتصريح والتسجيل والمراقبة.

الجزائر 54: في مقابل تعدد مصادر التمويل، كيف تعامل المشرّع مع مخاطر التمويل الأجنبي، وما الضمانات التي وضعها لمنع تأثير الأموال الخارجية في القرار الانتخابي؟

الدكتور بودهان: المشرّع كان واضحاً في هذه المسألة، إذ تنص المادة 88 على منع كل مترشح، سواء تعلق الأمر بانتخابات وطنية أو محلية، من تلقي هبات نقدية أو عينية أو أي مساهمات أخرى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من أي دولة أجنبية أو أي شخص طبيعي أو معنوي من جنسية أجنبية. وهذا المنع يعكس حرص المشرّع على حماية استقلالية القرار الانتخابي، ومنع أي تدخل خارجي عن طريق التمويل.

وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين التمويل الأجنبي والهبات التي يقدمها مواطنون جزائريون مقيمون بالخارج، إذ إن مجرد الإقامة خارج الوطن لا تجعل المواطن الجزائري شخصاً أجنبياً من حيث الجنسية. كما أن الهبات المقدمة من المواطنين تخضع بدورها لسقوف قانونية وإجراءات تتعلق بالتصريح بقيمتها وهوية الواهبين، بما يسمح بتتبع مصادر الأموال وعدم ترك المجال أمام مساهمات مجهولة المصدر.

الجزائر 54: من بين الآليات التي أقرها القانون تعيين أمين مالي وفتح حساب بنكي خاص بالحملة الانتخابية. ما أهمية هذا الإجراء، وكيف يساهم في ضمان الرقابة الفعلية على الأموال؟

الدكتور بودهان: يعد تعيين أمين مالي للحملة الانتخابية من التدابير الأساسية التي وضعها المشرّع لضمان سلامة التسيير المالي والمادي للحملة. إذ يتعين على المترشح، سواء كان ضمن قائمة حزبية أو قائمة حرة، تعيين أمين مال بموجب تصريح مكتوب وموقع، مع فتح حساب بنكي وحيد مخصص للحملة الانتخابية.

وتكمن أهمية هذا الإجراء في أن جميع الأموال، سواء تعلق الأمر بالإيرادات أو المدفوعات، تمر عبر هذا الحساب، الذي يجمع مختلف الموارد والنفقات المرتبطة بالحملة. وبذلك يصبح بالإمكان تتبع حركة الأموال والتحقق من مصادرها وأوجه إنفاقها، وهو ما يوفر أرضية ملائمة لممارسة الرقابة القانونية والمالية.

كما ينبغي التأكيد على ضرورة الفصل بين مهام الأمين المالي ومحافظ الحسابات، لأن لكل منهما اختصاصاً مختلفاً، فالأول يتولى التسيير المالي للحملة، بينما يضطلع الثاني بمهمة فحص الحساب والوثائق الثبوتية المرتبطة به.

الجزائر 54: بالحديث عن الرقابة، ما دور لجنة مراقبة تمويل الحملة الانتخابية، وما هي صلاحياتها في التعامل مع الحسابات المالية للمترشحين؟

الدكتور بودهان: أنشأ المشرّع لجنة خاصة لدى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، تسمى لجنة مراقبة تمويل الحملة الانتخابية، وأسند إليها مهمة السهر على شرعية التمويل ومراقبة العمليات المالية المرتبطة بالحملة. وتتولى اللجنة فحص حسابات الحملة والتحقق من مدى صحة ومصداقية العمليات المالية المسجلة فيها، بالاستناد إلى الوثائق الثبوتية المقدمة من المترشحين.

ولا يقتصر دورها على الاطلاع على الحسابات، بل يمكنها اتخاذ قرارات بشأنها، سواء بالمصادقة عليها أو تعديلها أو رفضها، وفقاً للإجراءات والآجال القانونية. كما يتعين إيداع حساب الحملة الانتخابية لدى اللجنة في أجل أقصاه شهران ابتداءً من تاريخ إعلان النتائج النهائية، ويترتب على عدم احترام هذا الأجل الحرمان من الاستفادة من تعويض نفقات الحملة.

ويمكن الطعن في قرارات اللجنة أمام المحكمة الدستورية في أجل شهر من تاريخ التبليغ، وفقاً للأحكام القانونية المنظمة لذلك. وهذه المنظومة الرقابية تهدف إلى ضمان عدم الإفلات من الالتزامات المالية، وإخضاع مختلف المترشحين للقواعد نفسها.

الجزائر 54: نصل هنا إلى نقطة أساسية تتعلق بموضوع الشباب. هل يتضمن الإطار القانوني الجزائري تدابير خاصة لمساعدة الشباب المترشحين على تمويل حملاتهم، خصوصاً أولئك الذين يخوضون الانتخابات خارج القوائم الحزبية؟

الدكتور بودهان: نعم، لقد أخذ المشرّع هذه المسألة بعين الاعتبار، وأقر تدابير خاصة لتشجيع الترشحات المستقلة للشباب ومساهمتهم في الحياة السياسية. وفي هذا الإطار، نصت المادة 122 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات على تكفل الدولة بنفقات محددة من الحملة الانتخابية الخاصة بالشباب المترشحين الأحرار، وتشمل مصاريف طباعة الوثائق، والنشر والإشهار، وإيجار القاعات، فضلاً عن مصاريف النقل.

وهذا التدبير يعكس توجهاً تشريعياً نحو تخفيف الأعباء المالية عن الشباب الراغبين في دخول المنافسة الانتخابية، خصوصاً أن محدودية الإمكانات المادية قد تشكل عائقاً أمام بعضهم في التعريف ببرامجهم والتواصل مع الناخبين. وقد حُددت كيفيات الاستفادة من هذا التكفل بموجب التنظيم، بما يسمح بتطبيق هذا الإجراء وفق شروط ووثائق محددة.

الجزائر 54: شهد هذا الجانب مستجدات تنظيمية خلال سنة 2026، من خلال تحديد سقف مالي لمساهمة الدولة في نفقات حملة الشباب المترشحين الأحرار. ما الذي يضيفه هذا الإجراء إلى منظومة الدعم؟

الدكتور بودهان: من شأن تحديد آليات التكفل بالنفقات أن يمنح هذا التدبير إطاراً عملياً أكثر وضوحاً، لأن النص القانوني عندما يقر مبدأ المساعدة يحتاج إلى نصوص تنظيمية توضح كيفية الاستفادة منها والإجراءات الواجب اتباعها.

وفي هذا الإطار، صدر المرسوم التنفيذي رقم 26-173 المؤرخ في 10 ماي 2026، المعدل والمتمم للمرسوم التنفيذي رقم 21-190، والذي حدد سقف تكفل الدولة بنفقات الحملة الانتخابية للشباب المترشحين الأحرار في مبلغ 300 ألف دينار جزائري، بالنسبة للشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم أربعين سنة كاملة يوم الاقتراع.

ويشمل هذا التكفل النفقات المحددة قانوناً، على أن يقدم ملف الاستفادة من طرف الأمين المالي للحملة الانتخابية لدى منسق السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، وفق الوثائق والإجراءات المنصوص عليها تنظيمياً. وبالتالي، فإن الأمر يتعلق بتدبير مالي موجه لتغطية بعض المصاريف الفعلية للحملة، وليس تمويلاً مفتوحاً أو منحة غير مشروطة.

الجزائر 54: إلى أي مدى يمكن اعتبار هذه التدابير كافية لضمان تكافؤ الفرص بين الشباب المترشحين وبقية المترشحين، في ظل تفاوت الإمكانات المالية والتنظيمية بين القوائم الحزبية والقوائم الحرة؟

الدكتور بودهان: ينبغي النظر إلى تكافؤ الفرص في المنافسة الانتخابية من خلال مجموعة من الضمانات القانونية، وليس من زاوية التمويل وحده. فالمشرّع وضع قواعد تحدد مصادر التمويل، وتضبط النفقات، وتمنع التمويل الأجنبي، وتفرض رقابة على الحسابات، كما أقر تدابير خاصة لدعم الشباب المترشحين الأحرار.

وهذه الإجراءات مجتمعة ترمي إلى توفير شروط قانونية تسمح بممارسة المنافسة الانتخابية في إطار من الشفافية والشرعية. كما أن دعم الشباب من خلال تحمل بعض نفقات حملاتهم يمثل آلية مهمة لتخفيف الأعباء المالية عنهم، وتشجيعهم على المشاركة في الحياة السياسية. غير أن نجاح هذه الآليات يظل مرتبطاً كذلك بمدى احترام المترشحين للقانون، وفعالية الرقابة، والتطبيق السليم لمختلف النصوص والإجراءات المنظمة للعملية الانتخابية.

الجزائر 54: في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي توجهونها للمترشحين والناخبين بشأن أهمية احترام ضوابط تمويل الحملات الانتخابية؟

الدكتور بودهان: أؤكد أن للحملة الانتخابية ضوابط متعددة، سواء تعلق الأمر بالآجال أو الإجراءات أو التدابير المالية أو الجزاءات المترتبة عن مخالفة الأحكام القانونية. وكل هذه الضوابط وضعت من أجل ضمان شفافية تمويل الحملة الانتخابية وشرعيتها، حتى نصل إلى مؤسسات منتخبة تتمتع بالشرعية الدستورية والقانونية.

كما أن مسؤولية الاختيار لا تقع على المترشحين وحدهم، بل يتحمل المواطنون والناخبون أيضاً مسؤولية ممارسة حقهم الانتخابي بوعي، والبحث عن مترشحين أكفاء ونزهاء، قادرين على التكفل بانشغالاتهم واهتماماتهم ومطالبهم المشروعة في إطار دستور الجمهورية وقوانينها. وفي النهاية، فإن الهدف هو الوصول إلى مؤسسات قوية بشرعيتها، وقادرة على أداء مهامها وخدمة المواطنين.

حاورته /أمينة. ش