في حوار مع موقع "الجزائر 54"، الخبير في الشؤون الأمنية والإستراتيجية، الدكتور أحمد ميزاب، يعود لإسقاط مشروع القرار الأمريكي بفيتو روسي، والتطورات التي ستشهدها القضية الصحراوية.

س1- لم يعتمد مجلس الأمن أمسية الجمعة 30 أكتوبر، مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء الغربية بسبب استخدام عضو دائم في المجلس (روسيا) حق النقض (الفيتو). وامتناع 3 أعضاء عن التصويت. كمتابع للقضية الصحراوية، كيف تلقيتم الخبر، وما هو تعليقكم؟

أحمد ميزاب: لقد تابعت هذا التطور باهتمام بالغ، لأن المسألة لا تتعلق بمجرد التصويت على قرار أممي، وإنما تتعلق بجوهر القضية الصحراوية: هل نحن أمام مسار سياسي يتيح للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير المصير بحرية، أم أمام محاولة لإعادة صياغة المسار الأممي بما يجعل نتيجة التسوية محددة سلفاً، وفق مقاربة تتبنى طرحا مجحفا وغير عادل باعتباره الخيار الوحيد أو المرجعية الحصرية للمفاوضات؟

من وجهة نظري، تكمن أهمية الفيتو الروسي في أنه منع تمرير مشروع أمريكي كان من شأنه أن يدفع المسار السياسي نحو تكريس مقاربة أحادية للحل، بدلاً من إبقاء جميع الخيارات التي يجيزها مبدأ تقرير المصير مفتوحة أمام الشعب الصحراوي. فالمشكلة الأساسية ليست في الحكم الذاتي بوصفه تصوراً سياسياً يمكن طرحه للنقاش، وإنما في محاولة تحويله إلى نتيجة مفروضة سلفاً، قبل تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه في تقرير مصيره. 

وهناك فرق جوهري بين حل يتفاوض عليه الطرفان بحرية، وحل يُطلب من أحدهما القبول به باعتباره الخيار الوحيد المتاح. كما أن الفيتو الروسي لا يمكن فصله عن النقاش الأوسع بشأن دور الأمم المتحدة وحدود تأثير القوى الكبرى في النزاعات الدولية. فالتسوية العادلة لا تتحقق بمجرد امتلاك دولة نافذة القدرة على صياغة مشروع قرار يحظى بتأييد عدد كبير من أعضاء المجلس، وإنما تتطلب احترام المرجعيات القانونية الدولية وعدم اختزال إرادة الشعوب في تفاهمات بين العواصم الكبرى.

وبالنسبة لي، فإن الرسالة الأساسية من هذا التطور هي أن القضية الصحراوية لا يمكن حسمها بقرار سياسي يُصاغ خارج إرادة الشعب الصحراوي، ولا يمكن أن يتحول ميزان القوى الدولي إلى بديل عن الشرعية الدولية.

وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد أن الموقف الجزائري ينطلق من دعم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة، ومن رفض فرض أي حل لا يحظى بقبول الأطراف المعنية ولا يضمن للشعب الصحراوي ممارسة هذا الحق. لكن ينبغي أيضاً أن نكون دقيقين: الفيتو الروسي لا يعني أن مجلس الأمن أقرّ تلقائياً الاستقلال خياراً نهائياً، بل يعني أن المشروع الأمريكي لم يحصل على موافقة المجلس. وهذه نقطة مهمة، لأن المعركة السياسية والقانونية مستمرة، وليست محسومة بمجرد سقوط مشروع قرار. 

نعم لقد تعثر مشروع كان يسعى إلى تضييق الخيارات السياسية أمام الشعب الصحراوي، وهو انتصار لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذا التعثر إلى فرصة لإعادة الاعتبار لمسار تفاوضي جاد، يستند إلى الشرعية الدولية ويجعل تقرير المصير أساس التسوية، لا مجرد عبارة ترد في ديباجة القرارات.

س2- استخدمت الولايات المتحدة حق النقض بخصوص مشروع القرار الروسي، والذي كان ينص على تمديد بعثة المينورسو. فبعد هذا التصادم الدبلوماسي في مجلس الأمن -إن صح التعبير- بين روسيا وأمريكا، ما هو المنتظر؟ وما هي التطورات التي سيشهدها الملف الصحراوي ؟

أحمد ميزاب: أعتقد أننا أمام مرحلة جديدة من التعقيد الدبلوماسي والاستراتيجي، لأن ما حدث يكشف عن حالة انسداد داخل مجلس الأمن بشأن كيفية إدارة الملف الصحراوي، وليس مجرد اختلاف تقني حول تمديد ولاية بعثة المينورسو. وأرى أن هناك ثلاثة سيناريوهات أساسية يمكن أن تحكم المرحلة المقبلة.

الأول هو العودة إلى التفاوض على صيغة توافقية داخل مجلس الأمن. قد نشهد تحركات دبلوماسية مكثفة للتوصل إلى صيغة جديدة بشأن المينورسو والمسار السياسي. لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في مجرد الاتفاق على قرار جديد، بل في مدى احترامه لأسس التسوية العادلة وعدم تحويل المفاوضات إلى آلية لفرض خيار سياسي محدد سلفاً.

ثانيا استمرار الانسداد وتزايد التنافس بين القوى الكبرى. إذا استمر التعارض الأمريكي الروسي، فقد يدخل الملف مرحلة من الجمود الدبلوماسي، مع انعكاسات محتملة على دور المينورسو وعلى قدرة الأمم المتحدة على دفع المسار السياسي إلى الأمام. ومن الزاوية الأمنية، فإن استمرار الانسداد يفرض القلق بشأن تداعياته على الاستقرار الإقليمي، لأن إطالة أمد النزاعات دون أفق سياسي واضح تخلق بيئة أكثر هشاشة، وتزيد من صعوبة احتواء التوترات. ولا يعني ذلك أن التصعيد حتمي، ولكن من الخطأ التعامل مع غياب التسوية باعتباره وضعاً بلا كلفة استراتيجية.

ثالثا إعادة طرح المرجعية القانونية والسياسية للنزاع بصورة أكثر حدة. قد يدفع هذا الانسداد الأطراف المعنية إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية، وإعادة التركيز على الأساس الذي قامت عليه العملية الأممية، ولا سيما حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

في هذا السياق الجزائر مطالبة بمواصلة الدفاع عن موقفها المبدئي القائم على الشرعية الدولية، فيما يبقى من الضروري أن يتمسك الطرف الصحراوي بحقوقه المشروعة وأن يعزز حضوره الدبلوماسي والسياسي. وان يطور ادواته واليات العمل بشكل يقطع الطريق امام المناورات المخزنية. أما بالنسبة إلى المينورسو، فإن عدم اعتماد مشروعَي القرار يطرح إشكالاً مباشراً بشأن مستقبل ولايتها. لكن ينبغي التمييز بين انتهاء الولاية المقررة وبين اتخاذ قرار صريح بإنهاء البعثة، لأن الآثار القانونية والعملية تختلف باختلاف القرارات اللاحقة. وفي تقديري، فإن القضية الصحراوية ستظل مرتبطة بتوازن دقيق بين الضغوط الدبلوماسية ومقتضيات الشرعية الدولية وحسابات الاستقرار الإقليمي.

س3- هل هذا التطور المهم في قضية الصحراء الغربية، هو تمهيد لجعل مبدأ تقرير المصير المرجع الأساسي لتسوية القضية الصحراوية، كما يُنادي به الشعب الصحراوي، والذي يرفض التنازل عنه؟

أحمد ميزاب: أريد التأكيد هنا على أن التمسك بتقرير المصير لا يعني رفض الحلول السياسية، وإنما يعني رفض الحلول التي تستبعد إرادة الشعب الصحراوي أو تحدد النتيجة نيابة عنه. فثمة فرق كبير بين المرونة في الوسائل الدبلوماسية والتنازل عن الحق في تقرير المستقبل السياسي.

وخلاصة القول، إن التطور الذي شهده مجلس الأمن قد يفتح نافذة جديدة للنقاش السياسي، لكنه لن يتحول إلى مكسب استراتيجي حقيقي ما لم يُترجم إلى مسار يضمن ممارسة الشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير. فالسلام الذي يقوم على فرض الأمر الواقع قد يحقق مكاسب ظرفية، لكنه لا يضمن الاستقرار الدائم. أما السلام القائم على الشرعية الدولية واحترام إرادة الشعوب، فهو وحده القادر على توفير أرضية حقيقية لتسوية النزاع وإنهاء حالة التوتر التي عرفتها المنطقة لسنوات طويلة. 

أجرى الحوار: زكرياء حبيبي